تذكر الأزمة السياسية الحاصلة في الساحة الفلسطينية، من بعض وجوهها، السياسية والتنظيمية (المتعلقة بالموقف من عملية التسوية ومن التنازع على القيادة)، بأزمة العام 1983، التي حصلت ضمن التداعيات الناجمة عن الغزو الإسرائيلي للبنان (يونيوـ 1982)، والتي نتج عنها انقسام هذه الساحة، وحصول ظاهرة الانشقاق في «فتح»، وتفشي نزعة الاقتتال لحسم الوضع، وتحقيق انقلاب في النظام الفلسطيني.

معروف أن القوى المعارضة، حينها، لم تنجح البتّة في مساعيها، فلا هي استطاعت إضعاف المكانة الرمزية والوطنية للقيادة السائدة، آنذاك، ولا تمكّنت من ترسيخ الظاهرة الانشقاقية في «فتح»، كما لم تحرز نجاحا يذكر في إضعاف المكانة التمثيلية الشرعية لمنظمة التحرير.

والأنكى من كل ذلك أن هذه القوى، لم تنجح، أيضا، في مساعيها بشأن توليد البدائل المفترضة، في المجالات الوطنية، وأنها ذاتها تعرّضت فيما بعد للضمور والتآكل، في مكانتها وشرعيتها وصدقيتها، كما في دورها؛ وهو ما أكدته استحقاقات الانتفاضة الأولى والثانية، وضمن ذلك انبثاق حركة «حماس» من خارج هذه القوى.

لكن، والحق يقال، فإن الأزمة الراهنة تبدو أخطر بكثير من سابقتها، بحكم أسباب عدّة، أهمها:

1 ـ الافتقاد لزعامة وطنية بمكانة الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كان قائدا ل«فتح»، وشكّل بثقله القيادي مرجعية سياسية لمعظم الفصائل، وكان، أيضا، بمثابة الزعيم الأوحد للفلسطينيين؛ وهذه الزعامة ليست متوفّرة الآن، لا على مستوى شخص بعينه، ولا على مستوى مؤسّسة أو فصيل.

عدم تبلور بديل قوي وشرعي ينافس «فتح»، وقتها، على مكانة القيادة، في حين أننا الآن أمام مشهد سياسي فلسطيني جديد، فثمة نوع من الانكسار في المسار القيادي ل«فتح»، التي حمّلت مسؤولية إخفاق الخيارات الفلسطينية، من الانتفاضة والمقاومة إلى التسوية والمفاوضة، وغير ذلك من تبعات قيام السلطة.

وثمة بالمقابل فصيل قوي، يتمثل ب«حماس»، التي لا تنافس «فتح»، على مكانة القيادة، فقط، وإنما تعتبر نفسها، أيضا، بمثابة بديل شرعي لها؛ لاسيما بعد أن استطاعت الوصول إلى سدّة السلطة، بنتيجة فوزها في الانتخابات التشريعية.

3ـ كانت الأزمة السابقة اقتصرت على الاحتكام للسلاح في ساحة الفصائل (القواعد والمكاتب والأجهزة)، في حين أن ساحة الأزمة الحالية تشمل المدن الفلسطينية، ذاتها، كما الشارع الفلسطيني، الذي وجد نفسه منقسما على ذاته، (شارع «حماس» مقابل شارع «فتح»).

4ـ تأتي الخلافات اليوم في ظروف غير مواتية، فالفلسطينيون، يعانون الأمرين جرّاء أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، الناجمة عن استهلاك واستنزاف طاقاتهم، في مواجهات غير محسوبة خلال سنوات الانتفاضة، وبسبب إجراءات الحصار والتدمير والقمع، المفروضة عليهم من قبل إسرائيل منذ سنوات.

5ـ سياسيا تتيح هذه الأزمة لإسرائيل الفرصة لفرض الحل الأحادي التصفوي، بادعاء أنه لا شريك للتسوية، وأن الفلسطينيين غير مؤهلين لحكم أنفسهم. والمغزى الاستراتيجي لهكذا حل يتلخّص في أن انسحاب إسرائيل، من أجزاء من أراضي الفلسطينيين، يضمن لها، ليس فقط الحفاظ على طابعها كدولة يهودية.

والتخلّص من «الخطر الديمغرافي»، بل والتخلّص أيضا من احتمال تحوّلها لدولة «ثنائية القومية» (مستقبلاً)، وصدّ الشبهات حول وضعها كدولة استعمارية محتلة، تمارس التمييز العنصري، وكدولة مطعون في صدقية نظامها الديمقراطي (إزاء الفلسطينيين).

وهذه مسائل على غاية في الأهمية. وحينها ستبدو إسرائيل، إلى حد ما، وكأنها انسحبت من معظم أراضي الفلسطينيين المحتلة عام 1967، وأنها لم تعد تسيطر على حياتهم، ولم تعد معنية بهم، ولا تتحمّل أية مسؤولية عنهم.

6ـ المعضلة أن الأزمة الحاصلة تتفاقم في ظل انسداد خيارات الفلسطينيين.

فلم تعد الانتفاضة على جدول الأعمال، بعد ستة أعوام من الاستنزاف الإسرائيلي، المتمثل بعمليات التدمير والتقتيل والحصار والعزل وبناء جدار الفصل والحواجز وقطع المساعدات. أيضا، فإن خيار المقاومة المسلحة في الضفة والقطاع، أو وفق نمط العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، بات جد صعب، إلى درجة أن حماس، ذاتها، عزفت عنه، لسبب أو لأخر، ونحت نحو التهدئة.

أما الخيار التفاوضي فهو مغلق بسبب إصرار إسرائيل، ومعها الدول الكبرى، على دفع الحكومة التي شكلتها «حماس» نحو تقديم تنازلات، تتمثل بالاعتراف بإسرائيل وبقرارات الشرعية الدولية، وبالالتزامات التي وقعت عليها السلطة، ونبذ العنف.

على ذلك فإن كل هذه الوقائع تفترض من الفلسطينيين البحث عن مخارج وطنية جامعة، ووضع المصالح الفصائلية الضيقة على الرفّ، من خلال.

أولاً: حظر الاحتكام إلى السلاح، في حسم الجدل بشأن الخلافات السياسية، لأن هذه الخلافات لن تنتهي ولن تحسم، بحكم الواقع المعقد والإشكالي للقضية الفلسطينية، وتداخلاتها الدولية والإقليمية.

ثانيا: تجنيب الشارع دوامة الخلافات السياسية الفصائلية، لأن هذا الشارع ليس مشاركا، بالمعنى الفعلي، في صنع السياسة، وهو لم يتربّ على ذلك، ولأن استعماله، بهذه الطريقة الفجة والشعاراتية، يؤدي إلى هبوط هذه السياسة، وإدخالها في أتون الاحترابات الداخلية الضيقة، التي لا يمكن التحكم بها أو وضع حد لها.

ثالثا: السعي لحسم في القضايا المختلف عليها عبر الحوار الجدي والمسؤول، الذي يتقصّد ايجاد مقاربات وسط، للوصول إلى نتائج أو مخارج ملموسة يمكن البناء عليها، وليس الحوار من أجل الحوار أو الاملاء أو المزايدة أو استهلاك الوقت.

رابعا: إن عدم توصل المتحاورين إلى التوافقات المتوخّاة هو أمر متوقّع في ساحة متداخلة مع الأوضاع الدولية والإقليمية، ومع التيارات السياسية السائدة، وبسبب تدني مستوى العلاقات الديمقراطية، وبالنظر للطابع المعقد والإشكالي للقضية الفلسطينية. وبالطبع فإن هذا الأمر هو شيء مؤسف.

لكن البديل عن استمرار الخلاف، واستمرار التأزم، وعدم الحسم، لا يكمن في الاحتكام للسلاح، وإنما في الاحتكام للشعب، عبر الاستفتاء حول قضايا معينة مختلف عليها، أو عبر التوجه نحو انتخابات مبكرة.

خامسا: هكذا فإن البديل عن استعراض القوى والتحريض والاقتتال، في الشارع، وعن عدم توصل القيادات المعنية إلى توافقات سياسية بوسائل الحوار، إنما يكمن في واحد من الخيارات التالية:

1 ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة من شخصيات وطنية وكفء (وهذه غير حكومة التكنوقراط).

2 ـ التوجه نحو تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، في آن واحد، على أن يضمن هذا وذاك بالمقابل لحركة «حماس» إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاحها وتفعيلها، للانخراط فيها، بما يتناسب مع مكانتها التمثيلية في الساحة الفلسطينية، في نوع من تبادل «المكاسب» و«المخاسر»، إذا جاز القول.

3 ـ تحقيق نوع من التقاسم السياسي الوظيفي، وفق صيغة توافقية، بحيث تكلف مؤسسة الرئاسة ومؤسسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بالمهام التفاوضية مع إسرائيل، بكل ما لها وما عليها، على أن تخضع لرقابة معينة ولخطوط محددة، وتكليف الحكومة بإدارة الشؤون الداخلية.

المهم أنه ينبغي بذل الجهود لابتداع صيغ ناجعة لإدارة الوضع الفلسطيني وتخليصه من حال الشلل المحيطة به.

كاتب فلسطيني