أجمع المراقبون للشأن العام منذ سنوات عديدة أن الوفاق الوطني بين القوى السياسية وفئات المجتمع الأخرى هو الحل الوحيد للخروج من الأزمات المتلاحقة ولتوفير الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يضع البلاد على طريق النهضة والتقدم، وللوفاق مستحقات معلومة ينبغي الوفاء بها حتى يتحقق: الاعتراف بالتنوع السياسي والثقافي والعرقي، التحول الديمقراطي الذي يؤطر التنوع في نظام سياسي تعددي، اللامركزية الإدارية والمالية التي تعطي الأقاليم حقوقها في السلطة والثروة والتنمية.

وظنت سلطة الإنقاذ الوطني حين استولت على السلطة في يونيو 1989 أنها ستأتي بما لم يأت به الأوائل، فتبنت نظاماً شمولياً آحادياً قمعياً مركزياً يناقض كل مستحقات الوفاق الوطني.

ورغم نجاح الانقلاب في الحفاظ على السلطة إلا أنه بدأ يكتشف يوماً بعد يوم أن الاستمرار في منهجه الأول لا يمكن أن يدوم، وتكاثرت عليه تكلفة الحرب الأهلية في الجنوب والضغوط والعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية الخارجية والاحتقانات السياسية الداخلية، ثم بدأت قيادة السلطة المتماسكة في التفرق والتصدع.

واضطرت السلطة إلى التنازل عن سقوفاتها الشمولية شيئاً فشيئاً ليس عن قناعة مبدئية ولكن حسب رياح الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولا يتم التنازل الجزئي عن نهج قديم إلا حين تبلغ الروح الحلقوم! وأصبحت الحركة السياسية في ظل الإنقاذ حقل تجارب مليء بالتضاريس والمطبات والألغام.

وبعد مخاض عسير مؤلم عبرت البلاد محطات كثيرة في طريق الاعتراف بالتنوع ومستحقاته: اتفاقية الترابي-الصادق (95)، إعلان مبادئ الإيقاد (96)، دستور 98 وقانون التوالي السياسي، قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية (2001)، بروتوكول مشاكوس (2002)، اتفاقية البشير-الميرغني (2002)، اتفاقية نيفاشا (2005)، اتفاقية القاهرة مع التجمع (2005)، الدستور الانتقالي (2005)، اتفاقية أبوجا (2006).

ما كنا نحتاج إلى هذا الطريق الدموي الطويل لو أن سلطة الإنقاذ أدركت منذ وقت مبكر حقيقة التعددية السودانية وضرورة «الوفاق الوطني» للسلام والاستقرار في السودان، وليس مقنعاً أن ترفع الحكومة أو حزبها الحاكم شعار الوفاق الوطني كلما حزبها أمر عصيب أو ألمت بها أزمة من الأزمات.

ودخلت الحكومة، أو على الأصح حزب المؤتمر الوطني، في أضيق المطبات حين أقسم رئيس الجمهورية مغلظاً بأن لا تطأ أرض دارفور أقدام القوات الدولية وأن حكومة السودان ترفض قرار مجلس الأمن 1706 ولو تم تعديله، وأن كل بلد تقبل المشاركة في القوات الدولية المزمعة فكأنما أعلنت الحرب على السودان!

ولا أدرى ما هو مغزى النقطة الأخيرة من الناحية العملية! وفي ذات الوقت نشطت الولايات المتحدة وبريطانيا في قيادة الاتحاد الأوروبي وكثير من الدول الأخرى بما فيها دول عربية وافريقية للضغط على حكومة السودان لتقبل بمجيء قوات دولية لحماية المدنيين في دارفور، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة 140 دولة لمناقشة تنفيذ قرار مجلس الأمن والمشاركة في تكوين القوات الأممية.

وفي الساحة الداخلية استجابت الحركة الشعبية وحركة تحرير السودان (مناوي) للضغوط الأميركية فأعلنتا بصوت مرتفع قبولهما بدخول قوات دولية إلى دارفور ويشاركهما في ذلك معظم فصائل دارفور المسلحة، كما أن المعارضة الشمالية (الأمة القومي والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي) سبق لها أن قبلت بمجيء القوات الدولية.

ويستند المؤيدون لقوات الأمم المتحدة أن الأوضاع الأمنية في دارفور تدهورت كثيراً منذ توقيع اتفاقية أبوجا، فقد استولت جبهة الخلاص على أجزاء عديدة من مواقع حركة تحرير السودان (فصيل منى) واستطاعت أن تصل إلى شمال كردفان وتهدد أمنها وأن توقع خسائر كبيرة بالقوات المسلحة في الأيام الفائتة وأن تعوق وصول الإغاثة الإنسانية إلى بعض معسكرات النازحين، كما أن أوضاع اللاجئين والنازحين ما زالت سيئة وتشكل مأساة إنسانية.

وفي ظل هذه الأوضاع المقلقة تجد الحكومة نفسها في موقف صعب لا تحسد عليه ولن يجدي معه تسيير التظاهرات الطلابية التي يقودها ولاة المؤتمر الوطني ولا التصريحات العنترية التي تزاود بها حاشية الرئيس على بعضها البعض.

ومن ثم لجأت الحكومة إلى شعار الوفاق الوطني مرة أخرى فأوعزت إلى بعض المقربين منها بتكوين «هيئة تجميع الصف الوطني» برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الدهب، وليست هي المرة الأولى التي يتولى فيها سوار الدهب مثل هذه المبادرة! ثم أصدر الرئيس مرسوماً قنن فيه تكوين الهيئة.

والسؤال الصعب هو: هل ستكون هذه المحاولة مختلفة عن محاولات سابقة لا حصر لها؟ المطب يبدو أكبر هذه المرة وأكثر خطورة، والحكومة ليست على قلب رجل واحد، والصف الإسلامي مضعضع، والمؤتمر الوطني أصبح حزب إشارة لا يقدم ولا يؤخر!

البداية لقيام الهيئة ليست مبشرة كثيراً، فقد تكونت دون تشاور واسع مع القوى السياسية، وضمت شخصيات عديدة حكومية أو موالية لها، وثالثة الأثافي أن تتكون بمرسوم جمهوري بدلاً من أن تكون هيئة شعبية مستقلة. وبما أننا من المؤمنين، إيمان العجايز، بقيمة الوفاق الوطني .

وقد أدمنا الحديث عنه كثيراً فإنا نقول مرحباً بالمحاولة ولو كانت العاشرة بعد المئة لتحقيق الوفاق الوطني! ونذكر في هذه الكلمة، من باب المعذرة لله، بمتطلبات تجميع الصف الوطني التي حفظها الناس عن ظهر قلب من كثرة ما سمعوها وقرأوها:

إلحاق الفصائل المسلحة التي لم توقع اتفاقية دارفور والاستجابة لمطالبها المعقولة في التعويضات وتأمين المدنيين وحصتهم في السلطة؛ الإسراع في تنفيذ اتفاقية نيفاشا بتكوين المفوضيات المتبقية وحل مشكلة أبيى وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، وكشف عائدات البترول وتفعيل المفوضية الخاصة به والامتناع عن دعم الميليشيات العسكرية في الجنوب وسحب القوات المسلحة من الجنوب حسب الجدول الزمني المتفق عليه.

ومعالجة الاحتكاكات التي وقعت في ولايتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بين المؤتمر الوطني والحركة؛ وتسريع عملية التحول الديمقراطي بتغيير القوانين المقيدة للحريات مثل قانون الأمن الوطني وقانون الصحافة والمطبوعات وكفالة حق التظاهرات السلمية للقوى السياسية.

والتشاور مع القوى السياسية خارج الحكومة في القضايا الوطنية الكبيرة مثل قانون الأحزاب وقانون الانتخابات وتكوين المفوضيات الخاصة بهما، والانتهاء من اتفاقية شرق السودان وتنفيذها بأعجل ما يمكن. وحبذا لو تغير تكوين الحكومة القائمة لتكون بحق حكومة وحدة وطنية تجمع كل القوى السياسية الكبيرة، وحبذا لو تغيرت بعض الوجوه الصارمة التي ارتبطت بالقمع والشمولية والأحادية.

ليست هذه المستحقات بغالية أو مستحيلة لتحقيق الوفاق الوطني، ولوضع أساس متين لنظام سياسي ديمقراطي لا مركزي في السودان يؤسس لسلام دائم ووحدة وطنية. وبما أن الحكومة القائمة لم تأت عن طريق انتخابات ديمقراطية أو غير ديمقراطية فلا بأس على من يستصعب النزول عند مستحقات الوفاق الوطني أن يغادر السفينة طوعاً حتى يبحر السودان إلى شواطئ آمنة وواعدة بالتقدم والازدهار.

كاتب سوداني