بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب في 6 سبتمبر 2006 صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بأن الدول العربية ( كدول موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية قررت استخدام حقها في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية ). وفي نفس الوقت كلفت الجامعة أعضاءها بتشكيل.

حيث لا توجد، لجان خاصة وأجهزة مناسبة مختصة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية ولجان مستقلة للرقابة على استخدام الطاقة النووية، وكذلك تصدير واستيراد المواد المشعة بهدف ضمان شفافية العمليات أمام المنظمات الدولية والمجتمع الدولي، وإدخال تدريس العلوم والتكنولوجيات المتعلقة بالذرة السلمية في الجامعات العربية.

سيتعين على الوكالة العربية للطاقة الذرية ـ وهي جهاز خاص تابع لجامعة الدول العربية ـ أن تطرح خلال نصف عام استراتيجية للحصول على المعارف والتكنولوجيات الضرورية في هذا المجال. وقد صدرت مثل هذه التعليمات عن الأمين العام عمرو موسى.

صحيح أن هذا يحدث تحت تأثير النجاحات الواضحة التي حققتها إيران في مختلف مجالات العلم والتكنولوجيات والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك الأبحاث والصناعات النووية، فكبرت في أعين شعبها وكسبت احترام خصومها قبل أصدقائها رغم كل ما يعتري نظامها السياسي من خلل وتخلف.

بينما أخذ ذلك يجرح سمعة بعض الأنظمة العربية، والتي فوتت فرصا تاريخية كثيرة لبناء قاعدة علمية تقنية تشكل قاعدة التطور المستقبلي في مختلف مجالات الاقتصاد والدفاع والمجتمع وفي السياسة الدولية.

لكن الصحيح أيضا هو أن الأمر لا يكمن في الناحية السياسية فقط. فعندما يتخذ العرب مثل هذا القرار المهم فإنهم ينطلقون من تصورات عملية صرفة أيضا. لقد أكل الدهر وشرب على مفاعلات الأبحاث العلمية النووية التي تمتلكها عدد من الدول العربية منذ الثمانينات دون أن يتم بناء أية محطة عربية للطاقة الذرية لحد الآن.

ويعود ذلك إلى عدة أسباب أهمها ازدواجية المعايير في علاقات الولايات المتحدة والغرب بالدول العربية والإسلامية من جهة، وبإسرائيل من جهة أخرى. أضف إلى ذلك ضعف الموارد المالية لدى بعض الدول العربية وآثار كارثة مفاعل تشرنوبل في أوكرانيا. وبقيت كل من مصر وسوريا وليبيا والمغرب والجزائر تمتلك منذ زمن طويل معاهد أو مراكز للأبحاث النووية إلى جانب المفاعلات النووية، بما في ذلك لإنتاج الماء الثقيل وطاقات لإنتاج الوقود النووي والصناعات الطبية والدوائية وغيرها باستخدام العناصر المشعة.

وفي إطار مجلس التعاون الخليجي تمتلك المملكة العربية السعودية معهد أبحاث الطاقة الذرية في مدينة الملك عبد العزيز العلمية بجدة، تقول بعض المصادر انه قادر، ربما، على إعادة توليد الوقود. ويوجد مختبر الأبحاث في مجال الطاقة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

ومشروع «General Ionex Tandetron Accelerator» للتجارب في مجال الفيزياء النووية وتحليل التفاعلات النووية، ومشروع الصناعة الدوائية الإشعاعية في مستشفى الملك فيصل بالرياض، ومركز الأبحاث النووية قرب الخرج جنوب الرياض. ويعتبره بعض المراقبين أنه المشروع الرئيسي في خطوات البلد الأولى نحو البرنامج العسكري النووي.

(المصدر: إكسبرت، العدد 529، 29 سبتمبر 2006). وفي حين يشكل ما ذكر قاعدة مادية للانطلاق نحو تحقيق قرار الجامعة العربية، فلن يكون من السهل على العرب إقناع الغرب بحسن نوايا برامجهم النووية.

الدول العربية تشكل نصف قائمة معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلم (SIPRI) للبلدان التي تشكل مصدر تهديد نووي ممكن. وهي تضم كذلك دولة صديقة للولايات المتحدة كالمملكة العربية السعودية. ومع ذلك هناك واقع دولي جديد يسمح للدول العربية باختراق حصار سياسة المعايير المزدوجة.

ففي نفس يوم 6 سبتمبر الذي اتخذ فيه وزارء الخارجية العرب قرارهم صرح مدير شركة «أتوم ستروي إكسبورت» الروسية سيرغي شماتكو، أنه إذا أعلنت المغرب عن المناقصة بشأن تجهيز المحطة الكهرو- ذرية فإن شركته ستدخل المناقصة، خصوصا وأنها تمتلك كل الموارد والقدرات لذلك. وكانت مباحثات مغربية في موسكو مع شركات «روس أتوم»، «أتوم ستروي إكسبورت» و«روس إنيرج أتوم» بهذا الصدد قد سبقت زيارة بوتين للمغرب.

وقبل ذلك، في نهاية ابريل من العام الماضي زار وفد من «روس أتوم» القاهرة برئاسة رئيسها في ذلك الوقت ألكسندر روميانتسيف. وحول نتيجة المباحثات صرح بأن «الاتفاق حول التعاون في مجال الطاقة الذرية بين الدولتين جاهز عمليا» (ميديست.آر يو، 27 ابريل 2005).

ويزعم أنه حتى ذلك الوقت كانت «التفاصيل التقنية النهائية» قد نوقشت، لكنه وحتى الآن لم يتم البدء في أي مشروع جديد. ولدى الشركات الروسية خطط لبناء محطات كهرو- ذرية وإنشاء مركز للأبحاث النووية وتجهيز محطات لتحلية مياه البحر بواسطة مفاعل نووي في سوريا، لكن المفاوضات تعثرت منذ عام 2003.

ورغم أن إقدام روسيا على الإسهام في بناء أي مشروع نووي في الشرق الأوسط سيبقى ينطوي على قدر من المخاطر بسبب الضغوط الأميركية، لكن الأمر أصبح يختلف بعض الشيء. وإذا كان الاتحاد السوفييتي قد اضطر في سنوات الثمانينات إلى التخلي عن بناء محطة لتوليد الطاقة الذرية في ليبيا بسبب العقوبات التي فرضت ضد طرابلس، يبدو أن ذلك لا يمنع روسيا الآن من المضي قدما في بناء محطة «بوشهر» النووية الإيرانية.

كما أن المعلومات المتاحة من جانب «روس أتوم» تشير إلى أن أعمالا ربما تجري في ليبيا. وقد تم الانتهاء عمليا من تصميم نظم إسالة المياه وإطفاء الحرائق على قاعدة مركز «تاجوراء» للأبحاث النووية الذي بني بمساعدة روسية.

روسيا بأمس الحاجة اليوم للظفر بحصة أكبر في سوق الطاقة النووية الدولية وسوق خامات اليورانيوم الدولية، بما في ذلك السوق الأميركية نفسها. ولروسيا خططها الاستراتيجية في هذا المجال، سنتحدث عنها لاحقا. لكن الذي يهمنا هنا هو أن هذه الخطط تقدم للعرب عروضا متكاملة، بشروط سياسية وتكلفة اقتصادية أقل.

وكذلك الحال مع العروض الصينية والاستعداد الذي أعربت عنه إيران لتقاسم منجزاتها العلمية التكنولوجية والتقنية النووية مع من يرغب من بلدان الشرق الأوسط والبلدان الصديقة. وهي تنفذ ذلك بالفعل مع فنزويلا مثلا. وتبقى الطاقة السياسية الآن هي أحد أهم عناصر إنتاج الطاقة النووية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com