القتال المفجع الذي وقع بين الفلسطينيين في غزة وحصد 8 قتلى و70 جريحاً، كان صدمة، قدر ما كان متوقعاً، مفارقة صارخة بتناقضها، فهو صدمة لأن ما حصل لم يكن أقل من إسقاط للمحرمات وكسر لقاعدة الممنوعات والمؤلم أكثر أن استباحة الدم الفلسطيني على أيدي أصحابه، تأتي في لحظة تزداد فيها شراسة الهجمة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وحقوقه.
وبالتحديد في غزة، التي يتوعدها رئيس الأركان حالوتس بعملية اجتياح واسعة وعميقة، وهو أمر متوقع، أو على الأقل محتمل وغير مستبعد، لأن المقدمات كانت تشير الى أن الصدام محتوم طالما بقي الوضع الفلسطيني يسير في الطريق التي سلكها.
وعلى الرغم من التحذيرات المتوالية بقيت الأطراف المعنية أسرى مواقفها ولعبة صراعاتها؛ وبالتالي عدم قدرتها على التوافق، بالحد الائتلافي الأدنى الذي تتطلبه المرحلة. اكتفت بالنوم على حرير الاطمئنان بأن الاقتتال الأهلي ممنوع، لأنه يشكل الخط الأحمر الذي لا يجرؤ أحد على تجاوزه لكن مثل هذا الالتزام لم يصمد؛ فسقط هذا الخط ومعه سقط الوضع إلى تحت الصفر.
ما شهدته غزة لم يكن حادثة عارضة ولا الأولى من نوعها. منذ أكثر من سنة وخاصة منذ رحيل الاحتلال الإسرائيلي البغيض عن القطاع، دخل الصراع الداخلي الفلسطيني مرحلة جديدة مفتوحة على مخاطر الاشتباك المسلح. فمن البداية تحولت الساحة إلى مكان عرض عضلات واختبار قوة.
بدلاً من أن تصبح غزة النموذج الأولي الصغير للدولة الفلسطينية العتيدة؛ مع كل ما يقتضي ذلك من تفاهم وصيغة مشتركة؛ وإذا بها تتحول إلى غابة سلاح وعنف وساحة سائبة لتصفية الحسابات، أدى ذلك إلى مراكمة احتقانات، ارتفعت وتيرتها بعد الانتخابات، ثم أخذت شحنة إضافية من التأزيم بعد تشكيل حكومة «حماس».
وراح الانفلات يكبر ويتضخم ومعه يزداد التباعد وبالتالي الاحتكاكات.. ثم التصفيات، لتبدأ بعدها جولات من المواجهات الموسعة أدت إلى سقوط ضحايا بالجملة؛ في ظل حصار جائر، ساهم في صب الزيت على النار الفلسطينية.
تفاقمت هذه الأجواء بعد البلبلة الأخيرة، التي أطاحت بالاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، كانت الحصيلة مزيجاً محكوماً بالانفجار، صراعاً سياسياً ساخناً وحصاراً طاول لقمة عيش الفلسطيني؛ وانهيار الآمال بحكومة مشتركة، مع عودة إلى حرب التراشق العنيف بالاتهامات؛ والاحتكام إلى السلاح.
المشكلة ليست في من بدأ ومن رد، بزعم الدفاع عن النفس أو بذريعة القيام بالواجب لضبط الأمن ووقف الشغب. كما ليست بخصوص الصلاحيات وتطبيق القانون لحفظ النظام، فهذه أمور إجرائية. هي تفاصيل وحواش.
لب القضية سياسي. غياب القدرة أو الرغبة على تغليب أولوية الصراع مع الاحتلال على الصراع حول الحكم؛ أطاح باحتمال المشاركة، في الحكم؛ وفتح بالتالي الباب على التدهور.
وغني عن البيان أن مثل هذا الوضع ترى فيه إسرائيل هدية ثمينة، طالما اشتهتها. وقد تكون هدية إضافية أيضاً للوزيرة رايس التي وصلت إلى المنطقة وفي جعبتها، كما تردد، «سلسلة من الخطوات الخلاقة»! بخصوص الوضع الفلسطيني؛ ربما تكون «كالفوضى الخلاقة» التي خصت العراق بها، الخطوات الخلاقة الوحيدة هي الخطوات الإنقاذية التي يمسك الفلسطينيون وليس غيرهم بمفاتيحها.