في مثل هذه الايام قبل ست سنوات، انطلقت الانتفاضة الثانية التي عرفت بانتفاضة الاقصى وكانت شرارتها تلك الزيارة المشؤومة التي قام بها رئيس وزراء اسرائيل السابق ارئيل شارون الى ساحات الحرم القدسي الشريف، وقد اثارت في حينها احتجاجات ومواجهات واسعة من المصلين سقط اثناءها عدد من الشهداء والجرحى.
واذا كانت الزيارة هي الشرارة، فان خلفيات الانتفاضة تكمن في المحادثات التي وصلت الى طريق مسدود بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وكل من الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون ورئيس وزراء اسرائيل الاسبق باراك.
وكان كلينتون قد حاول وضغط بكل قوة لتحقيق التسوية الا ان ابو عمار رفض التفريط في اي حق من الحقوق الفلسطينية ولا سيما في القدس والمسجد الاقصى المبارك، كما اراد كلينتون وباراك، وهكذا انتهت تلك المفاوضات التي كانت الاكثر اهمية وجدية وتفصيلا منذ مفاوضات كامب ديفيد الاولى في ايام كل من السادات وكارتر وبيغن وادت الى توقيع الاتفاقات المشهورة بين مصر واسرائيل.
اليوم، وبعد ست سنوات، لا بد من وقفة تقييم ومحاسبة ومراجعة لكل ما حدث، لا للتباكي او التفاخر ولا لتعداد الايجابيات والسلبيات، ولكن للتعلم مما حدث والاستفادة مما جرى، لأن من اكبر الاخطاء التي واجهت المسيرة السياسية الفلسطينية طيلة العقود الطويلة الماضية، اننا لم نتعلم شيئا في معظم الاحيان، وارتكبنا الاخطاء نفسها مرات ومرات، وما نزال نفعل ذلك حتى اليوم.
ان الانتفاضة في مفهومها الشعبي قد انتهت، وتحولت الى اعمال عسكرية، اذا صحت التسمية، سواء في العمليات التفجيرية في مرحلة سابقة، او في استمرار اطلاق الصواريخ من غزة. نحن نعتقد ، اننا نقف اليوم، وبعد هذه السنوات الطويلة، ليس في المكان الذي انطلقنا منه ولكن الى الوراء عدة خطوات، ولعل ابرز مثال على ذلك هو هذا الجدار المدمر الذي نهب الكثير من الارض وقطع الضفة الغربية الى اجزاء مبعثرة تملأها الحواجز والدوريات والاغلاقات، كما تحول قطاع غزة الذي تحرر ولو جزئيا، الى ساحة للدمار والهدم والقتل والمعاناة.
الاسوأ من كل ذلك، اننا وبعد ست سنوات من انطلاقة الانتفاضة، نقف اليوم في فوضى سياسية كاملة وحصار اقتصادي خانق وغياب شبه كامل للسلطة ومؤسساتها، ونكاد نقترب من حرب اهلية.
بالطبع ليست الانتفاضة بحد ذاتها هي التي اوصلتنا الى كل ما نحن فيه، ولكن التفكير السياسي والعقلية صاحبة القرار هما المسؤولان عما نحن فيه. ووقفة التقييم المطلوبة هي في السعي الحقيقي والدراسة الموضوعية لاعادة النظر في هذا التفكير وهذه العقلية.
ولعل النموذج الابرز لكل ما نتحدث عنه، هو اننا بعد نحو اربعين عاما من الاحتلال، نعود الى ممارسة السياسة نفسها التي جربناها في قرار التقسيم قبل نحو ستين عاما، علما بأن اسرائيل كانت مشروعا آنذاك وكانت بحاجة ماسة الى اعترافنا بها، وهي اليوم دولة قوية او الدولة الاقوى في المنطقة وليست بحاجة لاعتراف هذا الفريق الفلسطيني او ذاك بها، ولا سيما ان لها سفراء او مندوبين وتعاملات سياسية وتجارية مع معظم الدول العربية.