نعتقد أنه لو اجتمع عدة أشخاص من بلدان عربية في مصلى وتقدم آسيوي مسلم لإمامتهم لاختلفوا حوله، وربما أوقفوا الصلاة، وهذه حالة العربي مع نفسه ومع أخيه القريب في المنزل والوطن، أي أن عامل الافتراق جزء من حالة قائمة نفسية واجتماعية أدت إلى انقسامات اجتماعية بدواع وأسباب مختلفة.
الفلسطينيون أكثر المواطنين تجربة مع العذاب بكل أشكاله، سواء جاء من سطوة الاحتلال وممارسات إسرائيل لأبشع انتهاك للحقوق الإنسانية، أو الخلافات الداخلية التي جزأت الفلسطيني وطوحت به إلى كل التنظيمات والمنظمات التي سادت بالمنطقة العربية، وقد يكون العذر مقبولاً، بأن المحترق بالنار يسعى لأي عون حتى من عدو في ثياب صديق.
الأزمة الراهنة في الحكم بدأت بفراق بين فتح وحماس، والأسباب وطنية وأيدلوجية فمن يعتقد ان الالتزامات الدولية لا يمكن تغييرها، او رفضها من جانب واحد بما فيها الاعتراف بإسرائيل، تذهب حماس لرفض هذه الطروحات لأنها ضد عقيدة عدم التحرير والحقوق والمواثيق الدولية التي اعترفت بذلك لكن بين ماهو منطقي وقانوني، وما هو واقعي ضاغط تحتاج الأمور إلى كسر الحواجز التي أدت إلى فراق العائلة الواحدة في الأرض الفلسطينية.
قضية صرف الرواتب التي تعطلت ستة أشهر أثارت الشارع الفلسطيني بما فيها مظاهرات جنود من الشرطة، وهو ما اعتبرته بعض عناصر حماس والسلطة خروجاً عن القانون، أي أن رجل الأمن لا يمكنه ممارسة سلوكيات الرجل المدني، وأن الأعراف والقوانين الدولية تعتبر خيانة الجندي أو أي منتم للأمن والجيش جريمة كبرى تستدعي الإعدام، ومن هذا المنطق لا يجوز خرق القانون حتى لو تعطلت حقوق لتدفع برجل الأمن لاختراق هذا الواجب، والإخلال به.
ومثلما بدأت حكاية الرواتب بالنكات، والأغاني المتبادلة بين فصيلي الخلاف، أخذت الأمور تخرج عن سياقها إلى التظاهر وإطلاق النار، ومعها أصوات عاقلة تدعو لانسحاب القوات واعتبار التظاهر حقاً مشروعاً، وضرورة الالتفاف على الخلافات بجمع الرؤوس الكبيرة، وأخرى بدأت بتصعيد المواقف من خلال التصريحات النارية والحادة، وكلها تصب في مصلحة أطراف أخرى خارجية تشمت وتتمنى نهايات غير سعيدة للوضع الفلسطيني.
نعم مسألة الحصار بجوانبه العسكرية، والمادية لابد أن تفجر المواقف، لأن الجوع أخطر أدوات التحرك السلبي، وهنا صار من الواجب، وليس من الفرضيات، أو التمنيات ان يقف الفلسطينيون قيادة وشعبا على منشأ وسبب التشاحن الذي وصل إلى سقوط القتلى والجرحى والمعالجة لا تتم من خارج البيت الفلسطيني بل من القوى المسؤولة، والتي لديها القدرة على تجاوز الظرف الحساس، والاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الأطراف كلها.
المأزق كبير، وخطير، لكن العقلاء لديهم الفرصة بإعادة السائر للطريق السوي وهي مسألة لا تحسم الا بفهم واضح أن أي منزلق يؤدي إلى استخدام السلاح هو خطأ أخلاقي وقانوني بكل القضية الفلسطينية.