العقل أسمى ما يتمتع به بنو البشر ويميزهم عن باقي المخلوقات الأرضية. مسلمة لا غبار عليها متفق حولها عبر التاريخ، لكنها مسلمة أيضاً ألا يسلم هذا العقل الفريد بما يتردد حوله بحكم العادة فقط.

وبما أنه لا يمكن الإحاطة بحقيقة المسلمات الكونية جميعاً في هذه العجالة، فإننا ندعو القارئ العربي تحديداً إلى وقفة لا تتجاوز دقائق معدودة على ما يعتبره منظومة المسلمات التي تسللت إلى عقله خلال مختلف مراحل تشكله.

صحيح أن العقل العربي لابد وأن ينفتح دائماً على حضارات الأمم الأخرى، لكنه من الخطأ أن يأخذ كل ما يصل إليه على محمل الجد ويسلم به ويعتبره أمراً واقعاً بصورة موضوعية لا حول ولا قوة للذات فيها.لا بل انه يتعين على هذه الملكة الرفيعة أن تميز ما بين الغث والسمين مما تتلقى من معطيات مهولة في عصر ثورة المعلومات المخيفة، بحيث لا بد من غربلة كل ما يتناهى إلى السمع وما يقع تحت النظر.

إذاً هي عودة لا غنى عنها إلى عالم المسلمات التي يحتضنها العقل العربي واعتاد على ترديدها والسهر عليها والذود عن حماها، علماً بانها غريبة عنه في غالب الأحيان ان لم نقل دائماً. وبما اننا في عجالة كما أسلفنا، فلا بد من الدخول في صلب الموضوع مباشرة وإعطاء بعض الأمثلة والنماذج التي تثبت ما ذهبنا إليه آنفاً.

وإذا كانت السياسة هي «وسيلة للتحقق ونيل التقدير والاعتراف» كما يرى المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد، فانه من واجبنا أن نتحقق أولاً من مسلمات السياسة العربية التي باتت تشكل جزءاً جوهرياً من قاموس لسنا واضعيه أصلاً.

كبرى تلك المسلمات وأبشعها تكمن في عبارة «الاستقلال» التي ترددها الأنظمة والشعوب القطرية في العالم العربي منذ أن ضحك عليها المستعمر الغربي في القرن الماضي وأوهمها بأنها حصلت على استقلال ناجز، بينما تكمن الحقيقة البسيطة،إلى درجة لا تصدق، في أن ذلك المستعمر إنما استبدل أداته السياسية بأداة أخرى أقل ليونة للتعامل مع هذه المنطقة من العالم والتي قامت على تجزئة المنطقة إلى أقطار بعضها لا يكاد يرى على خارطة العالم وذلك على قاعدة فرق تسد الذهبية الشهيرة.

المسلمة الأخرى التي لا تقل ضرراً تفيد بأن الولايات المتحدة حليف استراتيجي، الأمر الذي يلغي الحقيقة التاريخية التي يعلمها القاصي والداني والتي تقول ان العم سام ورث تركة المستعمر الغربي في المنطقة العربية وتقاسمها معه، في ظل ميزان القوى المستجد اثر الحرب العالمية الثانية.

هذا من الناحية التاريخية، لكن الأدهى منه يأتي من السياسات الأميركية الحالية في التعامل مع القضايا العربية والتي لا يخفى على أحد أنها مرتبطة بتحالف استراتيجي حقيقي مع الكيان الصهيوني،الذي يعد عدواً استراتيجياً للعرب وقضاياهم، فكيف يستوي الأمر عندما يكون حليفي الاستراتيجي الحليف الاستراتيجي لعدوي الاستراتيجي.

مسلمة ثالثة رغم حداثة عهدها إلا أنها باتت تشكل أهم مفردة في القاموس السياسي العربي وتتمثل في شعار «السلام الاستراتيجي خيار واقعي»، مع أنه لا حاجة هنا لكثير عناء لتبيان حقيقة هذه الشعار الزائف من رأسه حتى أخمص قدميه والذي لا يتخطى البتة حدود التلفظ والألفاظ ولا يرقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى الواقع الملموس، فالاعتداءات الوحشية المتكررة على شعوب المنطقة لا تدع مجالاً للشك بسمو الروح العدوانية لدى الغرب عموماً والتحالف الصهيو-أميركي خصوصاً في التعامل مع الأمة العربية.

أما عن الأمثلة في هذا السياق فحدث ولا حرج،الأمر الذي يسقط وبجدارة شعارات من هذا القبيل لا تهدف إلا لإحداث المزيد من التضليل والتشويش في العقل العربي، الذي بات هدفاً لكل من هب ودب.

ما سبق لا يمثل سوى غيض من فيض المسلمات الزائفة،التي لا تجلب إلا الكوارث والنكبات المتلاحقة على الأمة العربية وشعوبها، التي باتت مستضعفة ولقمة سائغة في فم آخر يبدو أن لغة المصالح ومنطقها أعمت بصره وبصيرته وما عاد يفرق بين الصالح والطالح حين يتعلق الأمر بالسعي لتحقيق تلك المصالح الدنيئة.