هناك جدل صاخب في الساحة الأميركية الى ما يشبه الحرب بين الحزبين المتنافسين: الديمقراطيين والجمهوريين اثر تسرب مقتطفات من تقرير استخباري أعدته 16 وكالة استخبارية أميركية بعنوان «اتجاهات الإرهاب العالمي:

التداعيات على الولايات المتحدة» يتناول التقرير دور حرب العراق في تأجيج الإرهاب وعلاقة الحرب على العراق بتفاقم الخطر الإرهابي ويحاول كل حزب ان يوظف بعض ما جاء في التقرير لصالحه وبخاصة ان الانتخابات البرلمانية النصفية على الأبواب وفي هذا الإطار يستغل الديمقراطيون ما جاء في التقرير من ان «العراق يصنع جيلا جديدا من القادة والعناصر الإرهابية» .

وان حرب العراق نشرت إيديولوجية الجهاد والتطرف الإسلامي عالميا وإنها فاقمت الخطر الإرهابي ووسعت من نشاط الإرهابيين وزادت من قوتهم وهدف الديمقراطيين إقناع الرأي العام بفشل سياسة الإدارة الأميركية في مكافحة الإرهاب وان اميركا أصبحت اقل امانا وانهم لو كانوا في الحكم لاستطاعوا مواجهة الإرهاب بشكل أفضل من بوش وإدارته.

وفي المقابل يسعى بوش ورجال لتوظيف هذا التقرير لتعزيز موقفه عبر إقناع الاميركيين بان أي انسحاب مبكر من العراق لن يعني سوى منح الإرهابيين نصرا كبيرا ويخدم بوش ما جاء في التقرير من «ان أي انتصار للجهاديين في العراق سيكون دافعا لهم لمتابعة القتال في أماكن أخرى ولذلك يؤكد رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس النواب بقوله «ان هذا التقرير يؤكد ان النجاح الأميركي في العراق هو المفتاح لمنع تفاقم الخطر الإرهابي».

وكل هذا السجال السياسي مفهوم وطبيعي في سياق المعركة الانتخابية المقبلة في أميركا اذ ان من حق الحزب المعارض ان يستميل الناخبين لبرنامجه عبر اتهام الإدارة القائمة بالعجز والفشل في مواجهة الإرهاب ولكن المشكلة تكمن حين يعمد بعض محللينا وكتابنا وبعض وسائل إعلامنا الى نقل هذا السجال السياسي الأميركي - خارج سياقه - بشكل مبتسر ومخل لخدمة أهداف سياسية وإيديولوجية وليقولوا لنا:

الم نقل لكم إن الإرهاب إنما جاء بسبب السياسات الأميركية الخاطئة بدءا من ضرب طالبان والقاعدة في أفغانستان واحتلالها ومرورا بإسقاط صدام واحتلال العراق وانتهاء بمعاييرها المزدوجة وانحيازها لإسرائيل ثم يضيفون قائلين لقد شهد شاهد من أهلها ها هو التقرير الاستخباري لأميركا يؤكد قولنا.

نحن لا ننكر على هؤلاء ان يوظفوا التقرير طبقا لمشاريعهم السياسية فهذا حق مشروع للجميع ولكن للأمانة الفكرية وللمصداقية الموضوعية وللتاريخ دعونا نتساءل: هل - حقا - جاء الإرهاب بسبب الحرب على العراق؟ هل السياسات الأميركية المنحازة هي السبب في زرع جرثومة الإرهاب وانتشارها في التربة العربية؟ لنكن صادقين فنحن حملة الأقلام مؤتمنون على ما نكتب وما نقول وستحاسبنا الأجيال القادمة حسابا عسيرا اذا فرطنا في الأمانة خدمة لأهواء سياسية او حزبية.

دعونا من السجال الأميركي حول التقرير ولنكن صادقين: هل السياسات الأميركية المنحازة هي التي خلفت الظاهرة الإرهابية في منطقتنا؟ ان مسؤوليتنا عن حماية أولادنا وتحصينهم ضد فيروسات التطرف تستوجب ان نكون صادقين في تحليل بنية الفكر الإرهابي وتفكيكها.

بطبيعة الحال هناك إجابة إيديولوجية جاهزة ومعلبة لدى من سماهم «مشاري الذايدي» - سجناء الجواب المكرر - اذ يقولون انها الاستخبارات الأميركية والموساد وهؤلاء بضعة شباب اغرار وثقافتنا بخير وتعليمنا بخير وإعلامنا بأحسن حال والصهيونية اللعينة هي التي أوجدت القاعدة.

هؤلاء الذين يختزلون «الظاهرة الإرهابية» بربطها بالسياسة الأميركية او فلسطين او العراق او أفغانستان يتجاهلون جوهر المشكل الإرهابي ومثلهم مثل الذين يعللون الإرهاب بغياب الديمقراطية او تسلط الأنظمة العربية او الوضع الاقتصادي الخانق او الثأر لكرامة الامة وشرفها كل هؤلاء يراوغون ويخادعون أنفسهم قبل الآخرين لأنهم يقفزون فوق الحقيقة الموضوعية.

وهي ان الإرهاب «فكر» عدواني» كاره للحياة والأحياء ترسخ في «نفسية» متوترة لا تنسجم مع متغيرات العصر من أوضاع ونظم ومؤسسات وعلاقات ترفض الحاضر وتعيش في الماضي تريد الفرار من الدنيا الكئيبة الى الحياة الباقية تستعجل الوصول الى لجنة.

كفانا ايها السادة خداعا فلا يفجر الإنسان نفسه بسبب سياسات ظالمة ولا يتحول الى قنبلة بشرية لمجرد وضع اقتصادي معين لا يمكن ان يضحي الإنسان بنفسه من اجل فلسطين او العراق ولو كان ذلك صحيحا لكان الأولى بالتضحية أبناء تلك البلاد ولكن من يفجرون أنفسهم في العراق او السعودية او مصر او أفغانستان.

وفي انفاق لندن او برجي أميركا وفي مجاهل الصومال وأدغال اندونيسيا هم أنفسهم في كل مكان فئة من الشباب المسلم تجمعهم عقيدة جهادية تكفيرية ترى الحضارة المعاصرة فسوقا وخروجا على أوامر الله وترى مجتمعاتنا ضالة وجاهلية وترى أنظمتنا طاغوتا وكفرا فلماذا التهرب من مسؤوليتنا تجاه فشلنا فشل مناهجنا ونظمنا التربوية وخطابنا الديني في خلق مناعة في نفوس شبابنا ضد عوامل الهدم والفناء.

إنه تحليل ساذج ومخل أن نربط الفكر الإرهابي بسياسات معينة أو بالوجود الأميركي في المنطقة أو بوجود مظالم معينة! أميركا كقوة عظمى موجودة منذ الثلاثينيات في المنطقة ومصالحنا تقتضي وجودها، وهي موجودة بخيرها وشرها في كل بقاع الأرض وسياساتها الظالمة ليست علينا وحدنا فالشكوى منها في كل مكان ومع ذلك لا يحرضون .

- كما نفعل - أولادهم لارتكاب حماقات ضدها. ولكن منابرنا وفضائياتنا تحرض وتشحن أولادنا ليفجروا أنفسهم لنيل درجة الشهادة المؤهلة لدخول الجنة. لا علاقة للإرهاب بالتوترات الدولية ولا بمطالب الإصلاح والديمقراطية ومن يقول بذلك يكذب على نفسه مثل غيره.

إن عمليات التفجير هي الثمار المرة لثقافة: فجر نفسك وادخل الجنة. ماذا تريد من هذا الشاب المراهق الغر ومنابرنا الدينية تحاصره في كل مكان وتشحن نفسيته للانتقام ممن تآمر علينا وأذلنا، يقف الخطيب محرضاً: انظروا ماذا يفعلون بالمسلمين؟

كيف يذبحونهم في العراق وأفغانستان والشيشان وكشمير؟ لقد ملاوا قلوب الناشئة بالكراهية والسوداوية ضد العالم المعاصر وزينوا لهم طريق الهلاك وقعدوا هم وأولادهم ينعمون بالحياة الفانية.

مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة تلزمنا أن نعترف أن الإرهاب نبت بهيئتنا ومجتمعنا والإرهابيون هم أبناء بررة لخطاب ديني مشحون بكراهية عميقة للحضارة وقيمها ونظمها ومفاهيمها وهم ليسوا حمقى أو مرضى أو جهلة أو مغررا بهم من قبل الموساد، هم نتاج خطاب استعلائي تعصبي يحتكر الصواب ويزعم تملك الحقيقة المطلقة ساهم في إنتاجهم منابر تعليمية.

وإعلامية ودينية عبر نصف قرن، والعمل الإرهابي هو إفراز طبيعي لمفهوم مشوه للجهاد، هو وليد توليفة من حاكمية قطب وسلفية تكفيرية امتزجا وكونا خليطاً فكرياً مرعباً ساعد على احتضانه مناخ مجتمعي محرض فأصبح متوحشاً مستفحلاً وذلك مسؤوليتنا لا مسؤولية أميركا.

كاتب قطري