بتنا في هذه الأيام نعرف قدوم شهر رمضان من الزينة المنتشرة في الشوارع والساحات ومن العربات المكدسة بالمواد الغذائية التي يجرها امامهم المتسوقون في محلات السوبر ماركت والجمعيات التعاونية وأسواق الخضار وبعضهم يجر أكثر من عربة فيما تنتشر الخيم المسماة بالرمضانية في كل مكان . وكنا من قبل صغارا نعرف قدوم رمضان من شراء قمر الدين للسحور ونطوف الحارات مهللين وفرحين بالشهر الفضيل .
رمضان شهر الصبر والنصر هكذا عرف عبر التاريخ الإسلامي وهكذا يجب ان يكون دائما ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة بين الفئة المؤمنة قليلة العدد وقريش بقضها وقضيضها فكانت الفاصلة بين الحق والباطل وفي رمضان من السنة الثامنة كان فتح مكة المبين و كان فتح عمورية والأندلس ومعركة عين جالوت في رمضان.
وفي العصر الحديث كانت الحرب العربية الرابعة مع إسرائيل عام 1973 في العاشر من رمضان السادس من اكتوبر والتي كان النصر فيها حليف الجيشين المصري والسوري بفضل التلاحم العربي وبسالة الجندي العربي الذي اثبت انه محارب جيد في المعركة ولكن بعض الساسة العرب لم يكونوا في مستوى تضحياته ولم يعرفوا استثمار هذا النصر .
ويجيء شهر رمضان حاليا وبعض الشعوب العربية والإسلامية تئن من وطأة الاحتلال وظلمه خاصة في فلسطين والعراق والتي استقبلت اول ايام رمضان بسلسلة تفجيرات أزهقت أرواح العشرات من ابنائه لينضموا الى اكثر من مئة الف قتيل ومئات الاف الجرحى والمشردين منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.
وهذه التفجيرات وأعمال العنف لا يمكن ان يقوم بها مسلم يؤمن بالله وخاصة في رمضان وان حاولت بعض الفئات الصاق هذه الجرائم بعناصر إرهابية عراقية او عربية .
وفي فلسطين تتجسد سياسة التجويع والحصار الإسرائيلي والأميركي بشكل صارخ في رمضان حيث لا يجد الباعة من يقدم على شراء بضاعتهم لخلو جيوبهم من النقود بعد مضي عدة شهور ولم يقبض فيها الموظفون رواتبهم عقابا للفلسطينيين على انتخاب حركة حماس وفوزها بالأغلبية البرلمانية في بداية هذا العام ولإجبار حكومة حماس على الاعتراف بالكيان الصهيوني.
وهذه الظروف القاسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني يجب ان تدفع قادته للارتقاء فوق خلافاتهم الفئوية والحركية بتضافر جهودهم لتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات برنامج وطني وموحد يلبي الحد الأدنى من الطموحات الفلسطينية .
في رمضان فرصة لإصلاح النفوس وتطهيرها مما يعلق بها من شوائب خلال شهور سابقة ففي الصوم تدريب على كبح جماح الشهوات بأنواعها الحسية والمادية فترقى النفوس الى أعلى مستوى وتشعر بآلام الآخرين وأحزانهم فتمتد لهم الأيدي لانتشالهم مما هم فيه من عوز وحاجة خاصة في شهر الجود والكرم والصدقات.
ورمضان شهر القرآن ففيه نزل وفيه تجد معظم المسلمين عاكفين في المساجد والبيوت على قراءته وتدبر معانيه ويحيون قيام ليله بالصلاة والدعاء للفوز برضوان الله وبليلة خير من الف شهر وكلهم امل بأن يخرجوا من رمضان وقد غفر الله لهم ذنوبهم .
أجمل المشاعر الإيمانية تتجسد في رمضان وفيه تعبير صادق عن وحدةالمسلمين حيث لا تمتد ملايين الأيدي الى الطعام الا بعد سماع مدفع الإفطار او آذان المغرب وفي هذا تدريب على اهمية الوحدة بين المسلمين وعلى ان يكونوا على قلب واحد في اتخاذ مواقف حياتية و سياسية ومصيرية واحدة وموحدة لا اشتاتا.
والسعيد من يواصل هذا السلوك الرمضاني في بقية شهور السنة فرب رمضان هو رب الشهور كلها والمفلح من يهمه امر المسلمين في كل مكان وزمان فلننظر الى أنفسنا كيف سنكون بعد رمضان .
musaabueid@hotmail.com