كيف نتعامل مع عقول طلابنا، وإلى أي مدى يجب أن نشركهم في مشاكل مجتمعنا وقضاياه، وفي أي مرحلة سنية ينبغي أن نفعل ذلك؟
ربما تكون هذه هي الأسئلة الأكثر أهمية التي يطرحها الجدل الذي أثاره مؤخرا درس «التركيبة السكانية» والرسم المصاحب له في كتاب التربية الوطنية المقرر على الصف التاسع. وهو جدل يدفعنا إلى التوقف عند منهجية المناهج الدراسية في تعاملها مع عقلية طالب القرن الحادي والعشرين بكل ما استجد في حياته من علوم وتكنولوجيا ووسائل اتصال أتاحت لجيل هذا القرن ما لم يكن متاحا للأجيال التي سبقته.
وبكل ما طرأ على مجتمع الإمارات من عوامل غيرت معالم الصورة التي ألِفَها جيل ما قبل الاتحاد وبداياته، حتى لم تعد معها تلك الصورة محتفظة إلا بأقل القليل من ملامحها إن لم تكن قد فقدت تلك الملامح تماما واكتست ملامح جديدة تتطلب تعاملا مختلفا يحفظ للوطن هويته ويحافظ له على منجزاته.
وإذا ما اتخذنا من درس «التركيبة السكانية» نموذجا نعتقد أنه الأصلح والأكثر ملاءمة لهذه المقدمة، نجد أن الآراء قد انقسمت حوله بين مؤيد لتضمين المناهج الدراسية مثل هذه الموضوعات.
ومعارض لهذا الاتجاه يرى في الصورة المنشورة إساءة بالغة للوطن والمواطن، علما بأن الرسم كان يصور مجموعة من زوار أحد المتاحف يرتدون أزياء مختلفة، ليس من بينها الزي الإماراتي، يقفون أمام هيكل عظمي معروض في المتحف عام 5000 ميلادية، ويقول الشرح الذي يقدمه لهم الدليل إن هذا الهيكل العظمي هو للكائن المنقرض المسمى بالمواطن الإماراتي.
نقطة الخلاف إذن بين المؤيدين والمعارضين تتلخص - كما يبدو - في كون هذا الرسم يشكل إساءة للوطن والمواطن حسبما يرى المعارضون، بينما يرى المؤيدون أن هذا الطرح الواقعي يستمد ضرورته من الشجاعة التي نحتاجها لمواجهة مشاكلنا ومعالجتها باعتبار أن هؤلاء الطلاب الذين يخاطبهم المنهج الدراسي هم الرصيد الذي نعده للمستقبل.
وهم صُنّاع القرار القادمون الذين يجب أن يكونوا على معرفة تامة بمشكلات وطنهم وقضاياه المختلفة. فهل نعاملهم بأسلوب النعام فندفن رؤوسنا في الرمال أم نواجههم بهذه المشكلات لندفعهم إلى وضعها على رأس قائمة اهتماماتهم كي ينشأوا وهم على دراية بقضايا وطنهم وهمومه؟
هذا الجدل حول درس «التركيبة السكانية» يأتي بعد الخلاف الذي نشأ حول درس «الشجاعة» الذي اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى إلغائه استجابة لاحتجاجات المعترضين عليه رغم اقتناع اللجنة الفنية المشرفة على تأليف كتاب التربية الوطنية بأنه يكرس قيما ومبادئ ينبغي أن تكون أعلى من الجميع.
أما قضية التركيبة السكانية التي يتناولها الدرس محل الاعتراض في كتاب التربية الوطنية بوسائل تعبيرية مختلفة، منها الرسم الذي أثار حفيظة البعض، فهي مشكلة يتفق الجميع على تناميها في مجتمع الإمارات، إلى الدرجة التي أصبحت الحلول معها مستعصية حتى ذهب البعض إلى أنها مستحيلة.
لذلك نعتقد أن اعتراض من احتج على الدرس لم يكن اعتراضا على المبدأ والغاية وإنما على الوسيلة أو الأسلوب الذي تمت به المعالجة، أي أنه على الشكل وليس المضمون.
وإذا ما اتفقنا على ذلك أو اقتربنا من الاتفاق عليه فإن تضييق فجوة الخلاف أو ردم هُوَّتِه تماما يصبحان أمرا سهلا، حتى لو لم يقتنع المعترضون بأن الرسم أكثر قوة وأشد تأثيرا من الكلام المكتوب لأن الرسالة من خلاله تصل مباشرة إلى عقل المتلقي وتحدث فيه الأثر المطلوب بوتيرة أسرع.
من هنا يصبح الحديث عن المناهج الدراسية ليس درس «التركيبة السكانية» وحده وإنما هو مجمل المنهج الدراسي بمختلف مواده، وضرورة أن يقترب من عقل الطالب وتفاصيل الحياة التي يعيشها داخل البيت والمدرسة وفي الشارع، فالطالب يتعامل في حياته اليومية مع الخادمة غير المواطنة.
والسائق غير المواطن، والبائع غير المواطن، والحارس غير المواطن... إلى آخر هذه المنظومة من السلسلة الغريبة عن بيئته وثقافته ودينه غالبا، مما يطرح السؤال عليه كل يوم وبإلحاح عن مدى خطورة هذه الظاهرة وتأثيرها على مجتمع يتحول وتتغير ملامحه يوما بعد يوم، كي لا يتكرس لدى الأجيال القادمة من المواطنين ما يعيشه جيل اليوم وهو يرى نفسه يتحول إلى أقلية، أو يجد المواطن الإماراتي نفسه ذات يوم كائنا منقرضا يلتقط له زوار المتاحف الصور التذكارية.
وعلى هذا المنوال يجب أن تنسج بقية مواد المنهج الدراسي، ليس في مادة التربية الوطنية فقط، وإنما في جميع المواد التي تتشكل من خلالها شخصيات الطلبة ، ففي مادة اللغة العربية - على سبيل المثال - يجب أن يتعرف الطالب على أدباء وطنه وكتابه وشعرائه لتقوى لديه الصلة بثقافة وطنه ويزداد تقديره لمبدعيه.
وفي مادة التربية الإسلامية يجب أن تتطرق الدروس للأفكار الدخيلة على الدين الإسلامي، كظاهرة التطرف والعنف التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية وتُقدِّم الإسلام للمجتمعات الأخرى في صورة لا تتفق مع جوهره، ولا مع الأهداف التي جاءت الرسالة السماوية لتحقيقها ونشرها بين أتباعه، ولا تحقق العلاقة التي يسعى إلى إقامتها مع أتباع الديانات الأخرى التي لا يناصبها العداء وإنما يمدّ معها جسورا من الحوار للوصول إلى الغاية الأسمى من خلق الإنسان، وهي عبادة الله، وعمارة الكون، ونشر المحبة والسلام في الأرض.
حديث «الانقراض» في درس التركيبة السكانية - رغم ما أثاره من اعتراضات - يفتح شهيتنا للحديث عن مناهجنا الوطنية وضرورة طرح هذا الملف للنقاش على كافة قطاعات المجتمع كي «لا تكون المناهج مرهونة كل يوم برأي شخص يخرج علينا بابا جديدا» .
كما صرّح الدكتور على النعيمي مستشار معالي وزير التربية والتعليم معلقا على هذه القضية، لأننا نعتقد أن غرس القيم العليا وحب الوطن في نفوس الناشئة ليس مهمة كتاب «التربية الوطنية» وحده، ولكنها مهمة كل كتب الحقيبة المدرسية التي ينوء الطالب بحملها، وهي مهمة كل عناصر العملية التعليمية، من حارس بوابة المدرسة إلى قمة الهرم في وزارة التربية والتعليم.
وهي مهمة كل عناصر المجتمع التي تعول على المدرسة الكثير، لأن فلذات الأكباد أمانات في أيدي المدرسين والمدرسات صُنّاعِ الأجيال التي يعمل الجميع على إعدادها إعدادا جيدا وحمايتها من الانقراض، كي لا يتحول المواطن الإماراتي إلى هيكل عظمي لكائن مرَّ من هنا ثم اتخذ مكانه في المتاحف.
ليست القضية إذن قضية رسم مسيء للوطن والمواطن، وإنما هي أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية وطن مطلوب منا أن نحافظ له على هويته، ومواطن يسعى للدفاع عن وجوده وسط هذا الطوفان الجارف. فهل تلعب مناهجنا الوطنية الدور المطلوب منها أم يتوقف الأمر عند درس في مادة التربية الوطنية نغضب من أجله ونتفق عليه أو نختلف ثم نغلق الملف؟
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com