مع الساعات الأولى من صباح يوم أمس الأحد، اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من الشريط الجنوبي اللبناني؛ وفقا لمنطوق القرار الدولي 1701. رافق ذلك صدور تهديدات بوجوب اغتيال السيد حسن نصر الله؛ كما بضرورة الاستعداد لاستئناف الحرب، في غضون أشهر قليلة، ضد لبنان. ما كان على الوزير بن اليعازر التذكير بذلك.

فمثل هذه النوايا العدوانية الإسرائيلية، معروفة ومتوقعة؛ في كل حين. بكل حال مع هذا الانسحاب يكون الاحتلال للأراضي الحدودية اللبنانية، الذي وقع خلال حرب يوليو، قد انتهى. ومعه تصبح الحدود جاهزة لانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. وبذلك يكون لبنان قد تجاوز واحدة من أقسى تداعيات العدوان الإسرائيلي عليه.

لكن تداعيات أخرى مهمة وخطيرة. لا تزال قائمة على رأسها التأزيم السياسي الداخلي المتصاعد، الذي يهدد بمراكمة احتقانات، لا تحمد عقباها.

لقد مر لبنان بأزمات وحروب واحتلالات كثيرة وصعبة. كما عانى من انقسامات وصراعات وتوترات خطيرة. لكن لم يسبق له ان شهد درجة من التناحر السياسي ومن الحدة في التراشق والخطاب، كما يشهده اليوم.

سلسلة من حروب المهرجانات مازالت تتوالى وتحمل معها المزيد من الشحن وفتح المعارك مع ما يستتبع ذلك من ردود، من ذات البضاعة، وبالتالي من استقطاب أدى إلى توسيع الفجوة بين الخندقين الرئيسيين. هذا عدا عن الحرب الإعلامية الدائرة وجولات تسجيل النقاط والأهداف.

الأمر الذي ترك البلد في حالة من القلق والترقب والخوف من المجهول. فالكل يتحدث عن الكل؛ لكن لا أحد يتحدث مع أحد، من القوى المتصارعة.

الايجابي ان حروب الخنادق هذه، بالرغم من سخونتها غير الاعتيادية. الا انها لم تخرج ـ على الأقل حتى اللحظة ـ عن حدود السجال. كما ان احتمالات انتقالها إلى حيث يريد أعداء لبنان، مستبعدة.

وبموازاة هذه المؤشرات المطمئنة، بدأت تظهر، في الأيام الأخيرة، تحركات ملحوظة باتجاه القيام بخطوات تكفل الاحتواء وتبريد الأجواء. منها دعوات للعودة إلى طاولة الحوار الوطني، التي توقفت جلساتها بسبب الحرب. ومنها في المقابل، توضيحات وتفسيرات من شأنها ان تساهم في تضييق دائرة القلق والمخاوف.

وكلها أمور يحتاجها لبنان في هذه اللحظات الصعبة التي يجتازها. فالخوف الداخلي أخطر وأشد فتكاً من الخطر الخارجي، الأول منظور ومعروف وما من مرة تمكن من اللبنانيين.

الخشية من الثاني. ولبنان ذاق مراراته. ولا يبدو من المحتمل انه عائد إلى مثل هذه المرارة. مناعته، التي دفع ثمناً باهظاً لامتلاكها، تقطع الطريق على هذه العودة. والآن حان وقت ترجمة هذه المناعة، من خلال العمل السريع والاستدراك المستعجل لسحب فتيل التوتر الداخلي.

وحده تعطيل الصاعق يضمن الخروج المعافى من الأزمة ـ المحنة الراهنة والمدخل يعرفه اللبنانيون، بقدر ما يدركون بأنه لا مدخل سواه.

ولا شك ان مثل هذا الإدراك هو بحد ذاته صمام أمان. فهم محكومون، كما تقول كافة الأطراف، بالتحاور والتفاهم. والمشجع أنه لا يوجد فيتو، من جانب هذه الفئة أو تلك، على التداول في ملف من الملفات الخلافية.

الكل يعلن ويردد بأن كل شيء على طاولة الحوار. لا استثناءات ولا ممنوعات. وفي مثل هذه الحالة وبعدما أخذت حروب الميكروفونات والشاشات مداها؛ صار من الأجدر الرجوع إلى الخيار المطلوب: خيار الحوار؛ ليس فقط لأنه الأسلم بل أيضاً لأنه أمر محتوم. خاصة وان التهديدات الإسرائيلية باستئناف الحرب بدأت تلعلع قبل ان ينتهي الاحتلال من سحب قواته.