ماذا لو دخلت أقلية يمنية في حرب مع أريتريا ووترت الموقف بين البلدين بدون أن يكون لحكومتيهما أي سبب، وكذلك الأمر لو خرجت فئات سورية تجاور حدود تركيا، وعملت على وضع عبوات ناسفة في المدن الملاصقة لحدود البلدين، وفتحت فئات مغربية النار على سبتة ومليلة لإشعال فتيل حرب مع أسبانيا، وقس على ذلك كل الحدود بين بلدان عربية أو غير عربية، بأن انتهكت تلك المنظمات سلطات الدول، ووضعت نفسها في ميدان القوة الشرعية؟.
قطعاً ستنشأ حروب مثل التي حدثت بين حزب الله وإسرائيل، أو ما جرى في أيلول الأسود حين تسيّد بعض الفلسطينيين على الحكومة الشرعية الأردنية فكان الرد صاعقاً وعنيفاً، وهذه الأمور صارت مدار أحاديث وتحليلات، أي أن الحروب التي تبتدعها منظمات داخلية ربما تكون أكثر دماراً على شعب ودولة، فهل صارت المنظمات التي تنتمي لمذهب، أو قومية، أو طائفة مركزها قوة خارجية أقوى من هوية وطن وسلطة وتاريخ وتراث؟.
هذا القول اتهمت فيه فئات متطرفة إسلامية تدين بعالمية الدولة الشمولية وترفض مبدأ الوطن والكيان وشرعية الدولة، وربما جاءت حقيقة ولاء المنظمات للخارج جزءاً من مشكلة عربية مترسخة، حيث كان الشيوعيون العرب رغم انقسامهم بين (الماوية) و(اللينينية) يعتبرون الوطن والإقليم مجرد ملحق صغير في الأممية الكبرى، حتى إن الولاء لتلك الأحزاب كان يفوق الانتماء للوطن، وقد جرت جهات عديدة، مثل من يعتقدون بلبنان الفينيقي ومصر الفرعونية، والمغرب الأمازيغية وغيرها أن صار الوطن الأم مجرد دكان صغير في حي تجاري أكبر.
قالوا إن سر الانتصار الفيتنامي على أميركا هو الولاء للأرض وفق العقيدة المترسخة بالمواطن هناك، وإن ارتباط النازية بالدم الأزرق الألماني يعتبر تطرفاً مضاداً للقومية والوطنية غير العاقلة، وإن الذين حاربوا من أجل تحرير بلدانهم متناسين الفروقات الاجتماعية والتباينات الثقافية، كان الوطن يأتي على رأس الأهداف العليا التي تجمع كل فصائل الشعب.
بين المواطنة والعقيدة، أياً كان نوعها، يسارية، أو قومية متطرفة، أو دينية إرهابية، خلافات جديدة حيث المسار السياسي العربي والإسلامي نشأت في ظلهما مفارقات كبيرة، أدت إلى اختصار الوطن بالتنظيم، والسلطة الشرعية بالزعيم، والأرض بالفضاء الخارجي الذي يضم عالماً متعدد الأعراق واللغات والبيئات الاجتماعية والثقافية.
هل هي خيبة أمل في المسارات السياسية التي درجت على الهزيمة في أوقات الحرب والفشل في محاورات دبلوماسية تتخلى عن الحقوق دون مقابل، وهل المعوّض عن الاشتراكي والقومي والقبلي، والطائفي، والذرائعي، والإسلامي المتطرف نوع آخر لا يؤمن بحق المواطنة ولا تاريخ الوطن بحدوده المشروعة وخارطته المتعارف عليها، ومصادرة كل ذلك بنوع من أممية أخرى كبديل مفروض بقوة الإرهاب، وإشاعة أفكاره وفرضه بمختلف الأساليب؟!
أسئلة طويلة، لا تجد الأجوبة القصيرة..