مؤشرات عديدة ظهرت في الاونة الاخيرة في العاصمتين البريطانية والاميركية في اتجاه تفعيل المسيرة السلمية عامة وتسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي على وجه التحديد. وتترافق هذه المؤشرات مع تحركات عربية نشطة تقودها مصر والاردن والمملكة العربية السعودية، لاعادة القضية الفلسطينية الى واجهة الاهتمامات الدولية - سواء في الامم المتحدة ، ام على مستوى القوى العالمية المؤثرة على مجريات الاحداث وتطوراتها في المنطقة، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا التي تشكل مع الامم المتحدة اللجنة الرباعية للتسوية السلمية في الشرق الاوسط.
وكان تصريح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، امام المؤتمر السنوي لحزب العمال الذي يترأسه - وهو المؤتمر الاخيرالذي يحضره بصفته زعيما للحزب ورئيسا للحكومة - حول اعتزامه تكريس ما تبقى له من الوقت في منصب رئيس الوزراء لبذل الجهود من اجل تحقيق السلام في المنطقة. كان هذا التصريح بمثابة ركن هام من اركان المبادرة الدولية الجديدة لبعث الحياة في عملية السلام المجمدة منذ ست سنوات . كما انه دليل على نفاد صبر العديد من القوى الدولية ازاء استمرار الجمود الراهن على المسار الفلسطيني - الاسرائيلي وتمسك الحكومة الاسرائيلية بابقاء الاوضاع المأساوية التي يعانيها الفلسطينيون على حالها حتى ولو استمرت هذه المعاناة لسنوات وعقود اخرى قادمة.
وبموازاة التحرك البريطاني المقبل، فقد صدر عن واشنطن خلال الساعات الثماني والاربعين الماضية تصريحات رسمية علىمستويات عليا، مضمونها بان الولايات المتحدة بصدد اطلاق عملية دبلوماسية موسعة بخصوص الشرق الاوسط، ووفقا لتلك التصريحات فان العملية يتوقع لها ان تكون ذات محورين، الاول هو استقطاب الجهود العربية للحد من النفوذ الايراني المتزايد في المنطقة، اما الثاني فهو تحريك المفاوضات السياسية لحل النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي في ضوء تكثيف المطالب العربية للاسراع في مسيرة التسوية انطلاقا من الافتراض بوجود علاقة او ارتباط نسبي بين المحورين، وهو افتراض قد يكون تعزز نتيجة للحرب الاخيرة بين اسرائيل وحزب الله اللبناني.
وسواء اكان هذا الافتراض واقعيا، ام نجم عن حسابات الواقع العربي المفتقر الىعناصر القوة الاستراتيجية والى التضامن ووحدة الكلمة، فان القضية الفلسطينية كانت منذ نشأتها قبل ستة عقود وحتى يومنا هذا، القضية المركزية وجوهر الصراع العربي - الاسرائيلي وقد ادى تجاهل حلها الى تداعيات وكوارث على الصعد العربية والاسلامية والدولية، ومن هنا فان اي محاولة لاحتواء الكثير من الازمات الاقليمية والدولية يجب ان تبدأ وتنتهي بايجاد الحل العادل للقضية الفلسطينية.
ومن المحظور التوجه اولا الى الازمات الاخرى، حتى لو كانت بحجم الملف النووي الايراني الذي ينذر باحتمالات وتداعيات مهما تبلغ من الخطورة فلن تصل مستوى ابقاء الملف الفلسطيني مفتوحا على عواقب ونتائج كارثية وشاملة.
واذا اريد للتحرك البريطاني - الاميركي القادم ان يكون فعالا وذا تأثير واسع النطاق فيجب ان لا يتشتت الاهتمام علىعدة قضايا في وقت واحد، ويتعين ان تركز وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس خلال جولتها المقبلة في المنطقة على احياء عملية السلام الفلسطيني - الاسرائيلي والضغط على حكومةايهود اولمرت لتكثيف الاتصالات مع الرئيس محمود عباس والخروج من هذه الاتصالات بانجازات ملموسة تعيد المفاوضات الى مسارها وتدفع باسرائيل الى الاعلان صراحة عن نواياها ومخططاتها وطرحها على مائدة التفاوض دون قيد او شرط للتوصل الى اتفاقات مقبولة فلسطينيا - بعيدا عن الاملاءات والاجراءات احادية الجانب التي ثبت فشلها على ارض الواقع والتجربة.