في خضم الخلافات بشأن تطبيق الفيدرالية وإعادة النظر في الدستور، وفي ظل استمرار العنف وإراقة الدماء، اختار الرئيس العراقي جلال طالباني الحديث عن مد أمد الاحتلال الأميركي لسنوات طويلة، ووجود قواعد عسكرية، لردع ما اسماه تدخل الجيران في الشؤون العراقية، وهو ما أثار ردود أفعال داخلية وخارجية المؤكد أنها جاءت في وقت غير ملائم.
طالباني الذي كان يوجه خطابه إلى الأميركيين عبر صحيفة الواشنطن بوست، وإحدى الإذاعات الأميركية من نيويورك، بدا وكأنه يردد بصوت عال الرغبات الأميركية وربما الأجندة غير المعلنة التي يسعى البيت الأبيض إلى تحقيقها رغم الصعوبات الجمة التي يلاقيها الجنود الأميركيون على الأرض وكانت مثار رصد وتحليل أجهزة الاستخبارات الأميركية، التي أشارت إلى تحول العراق إلى عش دبابير، وبؤرة لتغذية الإرهاب الذي أشهر الرئيس جورج بوش سيفه في وجهه، وجعل ملاحقة عناصره هدفا يضحي من اجله بالغالي والنفيس.
بقاء القوات الأميركية لأمد طويل لم يكن ضمن الأهداف المعلنة للإدارة الأميركية التي شنت الحرب بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، واثبات وجود علاقة بين صدام والقاعدة، وعندما سقطت الحجتان لانتفاء وجودهما، كانت الديمقراطية ونشر لوائها على ارض الرافدين باعتبارها النموذج في إطار الشرق الأوسط الجديد، الذي سيعم خيراته الجميع.
وفي مرحلة من المراحل تسربت معلومات عن نية واشنطن في إقامة أربع أو ست قواعد في العراق، يكون إنشاؤها بموافقة حكومة عراقية منتخبة رغم عدم تصريح المسؤولين الأميركيين علانية بهذا الأمر، واليوم تأتي تصريحات طالباني وكأن الأمر رغبة عراقية خالصة وان الأميركيين يودون الرحيل بأسرع ما يمكن! لكن ماذا يفعلون أمام تمسك العراقيين بهم؟! خاصة وان السيد طالباني أشار إلى أن السنة والشيعة على السواء يريدون استمرار الاحتلال وان كردستان سترحب بإقامة قاعدتين فوق ترابها.
ما لم يفصح عنه الأميركيون صراحة قاله طالباني، كنوع من تمهيد الطريق على ما يبدو لما هو آت، وبالقطع هناك العديد من الحجج الجاهزة أميركياً لتبرير إطالة أمد الاحتلال، فالعنف والإرهاب، لا يعطيان أحدا فرصة للحديث عن رحيل مبكر لنحو 140 ألف جندي أميركي، في ظل المخاوف من اندلاع شرارة الحرب الطائفية،التي لا يكف القادة العسكريون وتقارير الاستخبارات عن التحذير منها.
وفي ظل هذا الوضع تصبح مطالب العديد من القوى العراقية وبعض الأطراف الدولية بوضع جدول زمني لإنهاء الوجود الأجنبي، ليست ذات معنى، في ضوء مطالبة الرئيس العراقي نفسه بعدم رحيل الأميركيين الذين راحوا يرفعون من حجم قواتهم مقارنة بفترات سابقة،ورأينا كيف ألغت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) خطط إحلال وحدات كان مقررا عودة جنودها إلى قواعدهم في ألمانيا أو حتى إلى الولايات المتحدة.
نحن إذن أمام السيناريو الأكثر اقترابا من الواقع المنتظر، بغض النظر عن النفي الأميركي المتكرر للبقاء الطويل والتأكيد على أنهم جاؤوا محررين وليس محتلين، وبدت النوايا تتضح بوجهها الحقيقي وهو البقاء لسنوات طوال ولكن بموافقة عراقية طبعا.
يقول الأميركيون ما يشاؤون عن الهدف من غزو العراق، لكن الأيام كفيلة بكشف المستور لأن الوقائع لا يمكن أن تكذب، وما يجري على الأرض العراقية لا يبشر برحيل منظور حتى في المدى المتوسط، لأن من تكبد كل هذه الخسائر البشرية والمالية، والسياسية، لم يأت من اجل سواد عيون احد، ولكن لخدمة أهداف واضحة في عقول أصحابها، ولسان حال هؤلاء على ما يبدو يقول ابشروا بطول بقاء.
هذه الأهداف ليست بالضرورة قدرا محتوما، وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، خاصة أن البقاء الطويل له أيضا فاتورته المرتفعة مقارنة بحجم المصالح المتوقع جني ثمارها، ويدرك الأميركيون قبل غيرهم قيمة مثل هذه الفاتورة ماديا ومعنويا، ولعل الجدل الدائر حاليا وقبل أسابيع محدودة من انتخابات الكونغرس بشأن ما يجري في العراق، مؤشر على ما يمكن أن تتجه إليه الأمور في المستقبل.