الحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه. ذهب العرب إلى مجلس الأمن، وعاد العرب من مجلس الأمن. لا العالم أحس بهم، ولا أحد أعطاهم أذناً تصغي لما يقولون، ولا خرجوا من جلسة مجلس الأمن التي خصصت لهم بشيء على الإطلاق، بل خرجوا كما دخلوا.. وربما أضاعوا بهذا الحضور الخائب ما كانوا قد حققوه عندما نجحوا بحضورهم المؤثر إلى حد ما في تعديل القرار 1701 لمصلحة لبنان.

كان المفترض ان يكون اجتماع مجلس الأمن هذه المرة مفترق طرق يضع العالم كله أمام مسؤولياته ويتم فيه توضيح الموقف العربي الساعي للسلام، ويتعرى فيه الموقف الإسرائيلي الرافض لأي تسوية سلمية والمنتهك للشرعية الدولية، والموقف الأميركي المنحاز له انحيازاً يقود المنطقة من سيئ إلى أسوأ ويعرض المصالح الأميركية نفسها والسلام العالمي كله لأفدح المخاطر.

كان القرار العربي بالذهاب لمجلس الأمن قد جاء مع إعلان الأمين العام للجامعة العربية أن عملية السلام قد فشلت، وانه قد آن الأوان لأن تعود القضية العربية للشرعية الدولية وان يتحمل العالم ـ من خلال المنظمة الدولية ـ مسؤولياته في هذا الصدد.

وترافق ذلك مع شن إسرائيل لحربها العدوانية على لبنان، وإدراك العالم لحجم الخطر الذي تمثله الأوضاع المتفجرة في المنطقة، ومع نجاح العرب في التعامل الدبلوماسي في اللحظات الأخيرة مع تداعيات الحرب في لبنان وتعديل القرار 1701 لمصلحة لبنان، انتعشت الآمال في أن يتكرر الأمر مع إعادة القضية العربية بمجملها إلى مجلس الأمن انطلاقاً من ان فلسطين هي أساس كل ما يقع في المنطقة وان الحل العادل لقضية الشعب الفلسطيني هو مفتاح السلام في المنطقة، لكن الأمر كان يختلف.

ففي لبنان كانت هناك حرب عدوانية شنتها إسرائيل بدعم أميركي كامل، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب المقاومة الباسلة وصمود الشعب اللبناني. ورغم فضيحة عجز مجلس الأمن عن وقف الحرب لأكثر من شهر بسبب الضغوط الأميركية، فإن الموقف في النهاية فرض وقف هذا الانفجار لأن إسرائيل لم تتحمل استمراره من ناحية، ولأن الموقف في الدول العربية كان يهدد بالانفجار.

ولأن استمرار العدوان كان يضع دول أوروبا وبريطانيا في موقف سيئ أمام شعوبها ويجعل من المصالح الأميركية والبريطانية في المنطقة أهدافاً مشروعة لغضب الشارع العربي.

ومن هنا كان إيقاف الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية على لبنان أمراً لابد منه بعد أن فشلت كل التغطية التي وفرتها واشنطن في تمكين إسرائيل من تنفيذ مخططاتها، واصبح المطلوب ان يتم تحقيق هذه الأهداف عن طريق مجلس الأمن نفسه بعد ان فشلت الآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أميركيا في الإنجاز.

وهنا كان الدور الدبلوماسي العربي ممكنا لأنه كان يستند أولا على ما حققته المقاومة اللبنانية على الأرض، ويستند ثانيا على مواقف فرنسا والصين وروسيا البعيدة بدرجات مختلفة عن الموقف الأميركي والموقف البريطاني التابع له، ويستند ثالثا إلى مخاوف حقيقية من انفجار شامل للموقف في الشرق الأوسط بكل تداعياته على العالم كله.

النجاح الدبلوماسي العربي ـ حتى ولو كان محددا ـ أنعش الآمال في ان يستطيع العرب استغلال الموقف والدفع بقضيتهم الأساسية إلى مجلس الأمن اعتماداً على أنهم يملكون مبادرة بشأن القضية الفلسطينية هي تلك التي طرحوها في قمة بيروت وقوبلت بالتجاهل من أميركا بينما داست عليها الدبابات الإسرائيلية وهي تشن عدوانا جديدا يومها على الشعب الفلسطيني.

كان اللجوء لمجلس الأمن يستند إلى التدهور الرهيب في أحوال الشعب الفلسطيني الذي يعاني من حرب الدبابات الإسرائيلية وحصار التجويع الأميركي، وإلى أن ما يجري في لبنان وباقي المنطقة هو من توابع الموقف في فلسطين، وبأن بدون حل عادل للقضية الفلسطينية فستظل المنطقة تعيش في ظل العنف، وبأن انفراد أميركا بهذا الملف وصل بجهود التسوية السلمية إلى طريق مسدود، وأنه في ظل انحياز أميركي كامل للطرف الإسرائيلي لم يعد ممكناً ان تظل واشنطن هي الخصم والحكم، وأنه قد آن الأوان لأن يعود الأمر للشرعية الدولية من خلال مجلس الأمن والأمم المتحدة.

اللجوء العربي لمجلس الأمن كان يستند أيضاً لموقف أوروبي أخذ يتصاعد محذراً من فشل المخططات الأميركية في المنطقة وداعياً لموقف أوروبي أكثر إيجابية في التعامل مع قضايا منطقة لن تكون أوروبا بعيدة عن نيران الحروب التي تجري فيها، ومشككاً في النهج الأميركي ـ الإسرائيلي الذي يصر على الانفراد بكل دولة عربية ليمكن فرض الحلول المطلوبة عليها، ومطالباً بالعودة إلى نقطة البداية التي سرقتها أميركا بعد ذلك..

أي إلي مؤتمر دولي جديد يعيد إنتاج مؤتمر مدريد من حيث الانطلاق من الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة وحدها، ومن حيث إنهاء الانفراد الأميركي بهذا الملف، ومن حيث التأكيد على شمولية الحل المطلوب لكل جوانب القضية بما فيها إنهاء احتلال الأراضي السورية واللبنانية على قاعدة «الأرض مقابل السلام».

ولم يكن هذا الطرح بعيداً عن الدبلوماسية الأميركية ولكن من زاوية أخري. فواشنطن كانت ترى ان اللحظة مناسبة (قبل حرب لبنان) لفرض تسوية تجسد المصالح الإسرائيلية في أفضل صورة. فميزان القوي في صالح إسرائيل، وفلسطين تعاني أسوأ أوضاعها من سنوات، وسوريا محاصرة، ولبنان تحكمه أكثرية تراها واشنطن حليفاً طبيعيا لها، وبعض النظم العربية تعاني أزمة شاملة وتقبل ما تريده أميركا.

في ظل هذه الرؤى المختلفة جاء الإعلان العربي عن اللجوء لمجلس الأمن. ومع الإعلان بدأت الخلافات العربية التي قادت في النهاية إلي الفشل الكبير. ففي البداية كان اللجوء لمجلس الأمن مترافقاً مع إعلان فشل عملية السلام كما أكد أمين الجامعة العربية عمرو موسي.

ولكن أطرافاً عربية عديدة رفضت التسليم بأن عملية السلام فشلت أو ماتت.. البعض (مثل مصر والأردن) خشي من ان يمتد ذلك إلى اتفاقاته مع إسرائيل، والبعض أدرك ان ذلك يقود إلى صدام يخشاه مع واشنطن لأنه يعني نهاية المسلسل الممل الذي يتم عرضه منذ سنوات تحت عنوان «خارطة الطريق»، والبعض ينتظر كلمة أصحاب القضية المشغولين بصراعات على سلطة وهمية.

ولقد قلنا من البداية إن اللجوء لمجلس الأمن كان يمكن أن يكون مجدياً لو ان هناك تفاهماً مسبقاً على خطوة لفرض حل دولي يستند إلى القانون والشرعية الدولية، وهو أمر مستبعد من جانب الولايات المتحدة الأميركية (وبالتبعية بريطانيا) فالمطروح من جانب واشنطن ان يتم فرض الحل الإسرائيلي بعباءة دولية، وهو أمر لم يعد ممكناً بعد الحرب على لبنان التي تركت إسرائيل في وضع المهزوم، وأنهت فاعلية آلة الردع العسكرية الإسرائيلية، وأظهرت الانحياز الأميركي كما لم يحدث من قبل.

وفي ظل أوضاع ما بعد حرب لبنان، كان من الممكن ان يكون اللجوء العربي لمجلس الأمن بداية لمعركة سياسية شاملة ضد السياسة الإسرائيلية ـ الأميركية في المنطقة. معركة نحتمي فيها بالشرعية الدولية وبتأييد أوروبي للحل الشامل، وبسياسة جديدة من أوروبا لاستمالة سوريا وكسر تحالفها مع إيران..

وهي سياسة لا يمكن ان تكون بعيدة عن توجهات واشنطون، وأيضا بادراك الجميع ان الحل العسكري لم يعد ممكناً كما أثبتت حرب لبنان، لكن هذه المعركة السياسية التي كان يفترض أن تنطلق من النجاح الدبلوماسي العربي النسبي في التعامل الجماعي مع حرب لبنان من خلال تعديل قرار مجلس الأمن في هذا الشأن، هذه المعركة السياسية انتهت ـ كالعادة العربية ـ قبل أن تبدأ!!

وبدلا من أن يذهب العرب كتلة واحدة ليعرضوا قضيتهم العادلة على العالم وليقولوا إنهم سيستخدمون كل إمكانياتهم (وهي كثيرة ومؤثرة) من أجل الوصول إلى الحل الذي يجسد الشرعية الدولية..

بدلا من ذلك ذهب العرب إلى مجلس الأمن وهم ـ كعادتهم ـ فرق مختلفة.. البعض ملتزم بالرؤية التي تريد إنهاء الاستفراد الأميركي والعودة للشرعية الدولية، والبعض يعلن التزامه بخارطة الطريق، والبعض يبحث عن خريطة لم ترسم وطريق غير موجود!

ذهب العرب إلى مجلس الأمن ليتحدثوا من موقف المهزوم، واكتفوا ببيان من ممثل البحرين عرض فيه المبادرة العربية، ثم ببيان من وزير خارجية قطر العضو العربي في مجلس الأمن حيا فيه «صديقه» المندوب الإسرائيلي الذي كان قد سبقه برفض المبادرة العربية وباحتقار مجلس الأمن نفسه!

وبدلاً من قرار دولي يؤيد المبادرة العربية، أو مشروع قرار بهذا الشأن حتى لو تعرض للفيتو الأميركي، أو حتى بيان من رئاسة المجلس انفض المجلس بعد «مكلمة» تعيد للأذهان اجتماعات الجامعة العربية، وتجسد الخيبة التي نرجو ألا يتم التغطية عليها بالضجيج الذي أثارته تصريحات بابا الفاتيكان، أو بمحاولات جر العالم العربي إلى جحيم الحروب الأهلية الذي ينطلق من العراق إلى فلسطين ولبنان..

بينما البعض يبشرنا باستئناف خريطة الطريق، والبعض يبشرنا بقواعد عسكرية أميركية تبقي للأبد في العراق، ووزراء الخارجية العرب يعودون سالمين بعد الفشل العظيم في مجلس الأمن، و..كل عام وأنتم بخير!!

نقيب الصحافيين المصريين