تظلّ الأوضاع في فلسطين على فوضى، فحماس التي تعلم أن وجودها في السلطة لن يدفع وضعا إلى الأمام، ولن يقود إلا إلى مزيد من حصار الشعب الفلسطيني، نزل منطقيا سقف مطامحها من تحرير الأرض الى تدبّر شأن عام لا يتجاوز في أهدافه توفير لقمة خبز.
ومع هذا القرار الدولي غير المعلن والقاضي بعقاب الشعب الفلسطيني على اختياره غير المسؤول لحماس، تبدو الفرص غير متاحة لا داخليا ولا خارجيا لنجاح هذا الفصيل في تسيير شؤون الحكومة وفي تنظيم الحياة العامة.
أما فتح التي تعلم أن عودتها للسلطة لن تحقق أي إنجاز يتعدّى بعض التنفيس الاقتصادي،ويتجاوز تلك الصور المكررة للعلاقات العامة خصوصا مع بعض سياسيي الاتحاد الأوروبي والتي تطرح في العادة وكأنها النّصر المبين، فتح، هذه، والتي لن يكون بإمكانها تحقيق أي شيء خارج ذه الدائرة مازالت لم تهضم بعد خروجها من السلطة، ومنذ ذلك الخروج وهي تعمل على العودة أولا وقبل كل شيء الى دائرة القرار ومن شروطها (أي العودة) إعاقة حماس عن العمل والفعل، والمشاركة في التأليب ضدّها، والسّعي إلى إسقاطها.
والمشكلة أن المخاطر تزداد إحاطة بالشعب الفلسطيني، فبعد المغامرة الاسرائيلية الفاشلة في لبنان، فإنه ينتظر أن تصبّ اسرائيل كلّ غضبها في الضفة وغزّة، وهي ستفعل ذلك بآلة أمنية وعسكرية تريد أن تستعرض بطولات تعيد لها شيئا من البريق المفقود وتُذيقها مرّة أخرى طعم النصر، الذي هو اسرائيليا مرتبط بمذاق الجرائم ومشروط بقتل المدنيين، لذلك فإن هذا الصراع بين حماس وفتح، بلا معنى، وهو للعبث أقرب خصوصا أنه (الصّراع) يبدو وكأنه لا ينتبه لشيء من الضرورات الوطنية والاستحقاقات الجمّة والثقيلة التي تنتظر كلّ الفصائل الفلسطينية وليس فصيلا بعينه.
ولا شكّ ان الشعب الفلسطيني ينتظر على أحرّ من الجمر هذه الامكانية الخاصة بتفاهم فتحاوي وحماسي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية توفّر له لقمة العيش وأمل الحلّ معا، ولا شكّ أنه يتمنّى أن تنجح مساعي الحكومة الجديدة على الرغم من كلّ المناورات السّخيفة والمكشوفة التي جعلت المفاوضات حولها عرجاء ومضحكة في آن.
إن من أكبر الانجازات التي حققتها اسرائيل بعد أوسلو، وبتواطؤ مع مجتمع دولي شديد الانحياز لإسرائيل، هو بعثرة الصراع الفلسطيني معها، ثمّ الاستفادة من بعض أشكاله التي أصبحت تعرف دوليا بالارهاب، انتهاء بالوصول الى تحول الصراع معها الى صراع فلسطيني ـ فلسطيني عوض أن يتشكّل في انتصارات عليها تنتهي بالحلّ المأمول أو حتى المقبول!
عبد الرؤوف المقدمي