الكويت مصابة بالضمور السياسي, وبفقدان رجال السياسة, وبغياب المناصب السياسية والأدوار... الكويت الآن, كما يردد العارفون, تحولت من دائرة الدولة إلى دائرة البلدية المحلية, لا تسمع فيها شيئاً عن دور ذاتي, أو إقليمي أو عربي أو دولي.
ما القصة, ما الأسباب, ما الشكل المطلوب لهذا البلد الرائد, أو الذي كان رائداً في شتى المجالات, بحيث أصبح التواري نحو الظلال هو الغاية المنشودة لزوم هناءة البال, وإبعاد الناس عن كل ما لا يخصهم, والسياسة في أول أولويات عدم اختصاصهم?
هل نقول المزاج العام للحكم, أو المزاج العام للناس, أم الظروف المحيطة التي تفرض الابتعاد وترك ما لا يخص لمن يعنيه الأمر, فهو الأول, وهو الظاهر وهو الباطن, وهو الذي لا راد لكلماته ولا عصيان لمشيئته.
هل معقول أن أكبر اهتمامات الكويت أصبحت تتركز حول قضايا السمك المسرطن, والمياه المقطوعة, والكهرباء المقننة, وحول رئيس مجلس خدمة المواطن وعلاقته بالانتخابات, ومن يحق له توقيفه عن العمل, وهل قرارات اللجان البرلمانية ملزمة للحكومة أم أنها قرارات استشارية لا تلزم أحداً, والحركة الدستورية تتوعد بالمساءلة, وخلاف بين البلدية والصحة حول تحديد الأغذية غير الصالحة للاستهلاك, والحكومة ترفض زيادة الخمسين ديناراً, وترى أن على النواب التعاون لا التأزيم, واحتجاج عارم على مخالفة المسلسلات الكويتية للعادات وتشويهها لصورة المجتمع الكويتي, والتحذير من التهويل والمبالغة في قضية الأسماك, ودراسة فرض غرامات تصاعدية على أصحاب السيارات التي فات موعد تجديد تأمينها في المرور, والمعلمة الأميركية التي تعرت أمام الطلاب, ثم إن المعلمة الأميركية تعرت ولم تكن تعلم أن أحداً يراها, وان المعلمة الأميركية عمرها 52 سنة وفاتت عليها فرص الإغواء والإغراء...
هل معقول أن ما سبق ذكره أعلاه يمثل كل قضايا البلد, وهل معقول أن ما سبق ذكره أعلاه هو كل أولويات بلد كانت أدواره بحجم الدنيا, وكانت السياسة تملأ أرجاءه, وتبدع له الأفكار, والمشاريع, وتصوغ له كل الأحجام الكبيرة?
لا نعرف سبباً لهذا الضمور السياسي السريع الذي أصاب البلد في فترة وجيزة, لكننا في الوقت نفسه نسأل هل صحيح, إذا كانت ممارسة السياسة سبيلاً للوصول إلى الحكم, هي ممارسة ممنوعة على الشعب الكويتي, إن الأمر في الكويت انتظم الآن في أطره السليمة, وأصبح ما لله لله, وما لقيصر لقيصر في هذه البلاد?
ربما كان الأمر كذلك, لكنه أمر لا يبشر بالنمو, بل يبشر بمزيد من الضمور, وبمزيد من مخاطر احتكار المسؤولية الذي يؤدي إلى زيادة الأوزان على المناكب, وإلى المزيد من إهمال الكفاءات وتوظيفها, وإلى المزيد من اللا ديمقراطية, وإلى المزيد من توقع قيام الديكتاتوريات, بمعنى الاستبداد بالرأي, واحتكار صياغة القرارات.
إن الضمور السياسي الذي حول النشاط العام من نشاط كبير ينتسب في هويته إلى أنشطة الدول, إلى نشاط ينتسب إلى أنشطة البلديات, وكلام الدواوين... إن هذا الضمور سيؤدي في النهاية إلى تفاهة الوجود وهامشيته, وهي التفاهة التي عانت منها في وقت ما شعوب رزحت تحت أحكام الأنظمة الشمولية والحزبية والديكتاتورية, وانتهت بهذه الأنظمة إلى النسيان.
إن هذا الضمور السياسي الراهن سيؤدي إلى تعطل عمل السلطات, إذ سيسمح بطغيان سلطة على سلطة, وإلغاء سلطة لسلطة, وتفرد سلطة بكل السلطات, وهذه الوضعية ستقودنا في نهاية الأمر إلى البطش, وإلى توقف بناء المجتمع, وتحديث قوانين الدولة, وإلى هامشية الدور في الإقليم وفي العالم.
لا نطالب فقط بإرجاع أوضاع الدولة إلى ما كانت عليه وحسب, بل بإطلاق عملية تنمية سياسية تضعنا جميعاً في مواجهة ماذا نريد, هل نريد العزلة والعيش داخل جدران مفاهيم البلدية, أم نريد دولة قابلة للنماء البشري, وقادرة على وضع السياسات التي تجعل منها كياناً أزلياً لا كياناً مرهوناً بالمدد الزمنية الموقتة ينهشه من يريد من الخائفين وينهش ثرواته من لا يؤمنون بأنه كيان قابل للبقاء.
وفي الآخر فإن مسألة الضمور السياسي يجب أن تكون في عهدة المفكرين في هذا البلد الذي لا يجوز أن يكون في مواجهة مستقبل مجهول, وفي مهب قوانين قصيرة النظر, وخسر الكثير منها صلاحيته.
احمد الجارالله