في الأيام القليلة الماضية نشرت العديد من الصحف الأميركية والبريطانية الرئيسية وذات الاتجاه المحافظ والداعم لسياسات إداراتها مجموعة من الأخبار والمقالات من العراق تؤكد على ضرورة مواجهة العنف الطائفي بطرق مختلفة والتركيز على كبح وحشية الميليشيات الشيعية والتي تسمى حاليا "ميليشيات الموت" ، وهي التي تقوم بقتل عشرات العراقيين الأبرياء يوميا بعد تعذيبهم بشكل يتناقض مع كل قيم الإنسانية والاحترام ، مدفوعين بتعصب طائفي مقيت.

هذه التقارير تشير إلى حقيقتين في منتهى الخطورة ، أولاهما لا مبالاة الشرطة والأمن والمؤسسات الأمنية الحكومية المختلفة في ملاحقة هذه الميليشيات ، بل وأحيانا التغاضي التام عن أفعالها.. والحقيقة الثانية أن هذه الميليشيات أصبحت الآن خارجة عن سيطرة القادة والرموز الدينيين التقليديين مثل السيسيتاني ومقتدى الصدر ، بحيث اصبحت هذه الميليشيات تعتمد في حراكها وجرائمها على تعليمات من خارج العراق وتوجيهات من قياديين دينيين يخرجون مع هذه الميليشيات لإقامة "محاكم صورية" للمعتقلين قبل قتلهم.

ومن الغريب أنه في الوقت الذي تطالب فيه القوات الأميركية بملاحقة هذه الميليشيات نجد أن معظم رموز الحكومة العراقية تحاول تجاهل هذا الواقع وتتحدث أسبوعيا عن اعتقال "الرجل الثاني والثالث والخامس والسابع" في تنظيم القاعدة أو بتوجيه تهديدات إلى سوريا وتركيا دون أن تقوم بجهد عملي واضح للقضاء على القوى المتطرفة الطائفية من الجهة الأخرى.

وباستثناء رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يبدي جدية ورغبة حقيقية في مطاردة الميليشيات الطائفية الشيعية والتعاون مع القوى السنية العشائرية التي تحلت بالشجاعة في إعلان رفضها لممارسات الإرهابيين وتنظيم القاعدة ، فإن القادة السياسيين العراقيين لم يتحملوا حتى الآن مسؤولياتهم بشكل يستحق التقدير ويمكن أن يساهم في تخفيف إن لم نقل منع التعصب الطائفي الذي يؤدي إلى عمليات القتل المستمرة هذه.

لا مجال للتراجع أو التردد في البدء بعمليات ملاحقة وتفكيك واسعة النطاق لميليشيات الموت ومن يدعمها في العراق وبدون قرار سياسي شجاع في هذا الصدد من الصعب تخيل العراق ناجيا من الوقوع في فخ حرب طائفية أهلية ربما يكون قد تم التخطيط لها في الخارج ، ولكن تنفيذها للأسف تم على يد عراقيين أعماهم التعصب الطائفي عن مشاعر وروابط الأخوة الوطنية والتوحد لإخراج المحتلين بدلا من تصفية بعضهم البعض.

مطلوب من الدول العربية جهود كبيرة ايضا في هذا الصدد لعل أولها محاولة التوفيق بين المذاهب والقادة الدينيين ، وهذا ما حاول الأردن وما زال يحاول تحقيقه من خلال استضافة عدة لقاءات دينية عراقية ، ومحاولة التنسيق مع القيادات السنية في العراق لمنع الوقوع في فخ مخطط الإرهاب القاعدي التكفيري ودعم خيارات العرب السنة وحقوقهم في العراق في مواجهة مخطط تفكيكي خطير لبنية الدولة العراقية ومجتمعها تقوده قوى دولية وإقليمية بدأت تزيد من سيطرتها السلبية على صناعة القرار العربي وهي لا تحمل أي ود للأمة العربية.