باستثناء الرئيسين الأميركي "كارتر"، و"كلينتون"، لم نشهد من الرؤساء الذين تتالوا على البيت الأبيض، أي جدية في طرح مشروع سلام حقيقي، ينهي صراع ثلاثة أرباع قرن، بين العرب وإسرائيل..
في الأفق الراهن هناك مؤشرات، حيث صرح رئيس وزراء بريطانيا، أنه سيتفرغ في بقية مدة رئاسته لإنهاء الصراع القائم، وزار المنطقة بعد حرب لبنان الأخيرة، لكن المقدمات لا توحي بشيء نستطيع أن نسند إليه أي عمل يتسم بالجدية، أو التفاؤل..
كونداليزا رايس ستزور المنطقة الأسبوع المقبل، للغايات والطروحات نفسها، وقد تكون هي الأكثر اهتماماً ووعياً بالقضايا الدولية في فريق الرئيس بوش، تبعاً لثقافتها وتجاربها. والفرصة متاحة لها:
إذ أصبح في إسرائيل من يتحدث - ولأول مرة - بأنه لا استقرار ولا أمن، إذا لم يشكل السلام عنصر الدفع في إزالة وضع متأزم، ولا يزال يكبر ويتنامى باتجاه الأسوأ.
وأمريكا تقر أن العراق بدأ يفلت من أيدي الحكام والمحتلين، وباتت أفغانستان على الطريق نفسه في تصاعد الأزمات، وفقدان كرزاي أي نفوذ له على الدولة، أو لجم قواعد طالبان المتنامية، التي بدأت تضرب في عمق أفغانستان.
ولبنان يعيش في حالة اهتزاز، إذ تحوّل حزب الله إلى القوة الأكبر من الجيش وبقية المليشيات.. وفي فلسطين نزاع بين فتح، وحماس، والأخيرة لا تزال تمسك بقوة الشارع الذي دفعها بانتخابات حرة إلى أن تكون ممثلاً لكل الشعب الفلسطيني..
أمام هذا الزخم من القضايا المعقدة، وهبوط شعبية كل من بلير وبوش، وتنامي الضغط الداخلي الرافض لسياستيهما، لم يبق من (الجمل المفيدة) إلا الشرق الأوسط الذي بسببه تعمقت المشكلات، وقامت الحروب، وفشلت سلطات الاحتلال، وباتت القاعدة توسع أعمالها وتفرخ أجيالاً جديدة.. وتشعر إسرائيل أن أزمتها تاريخية وليست آنية، إذ ظلت أحد أسباب سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، وقوّت الحرب القريبة الماضية في لبنان عزيمة الدول والمنظمات السرية والعلنية بأن إسرائيل يمكن قهرها بأبسط الوسائل..
الرئيس بوش لم يعد يحلم ببسط النموذج الأمريكي على العالم، ولا فرض ديمقراطية لشرق أوسط كبير متنافر في كل شيء، ولم يعد هاجسه الروحى أيدلوجياً يمكن طرحه في مواجهة الأديان والقوميات، وإذا ما أراد أن يكون رجلاً في التاريخ، وللتاريخ فعليه أن يوجز عمله بحل أعصى قضية أعجزت أسلافه، فقط أن يجعل أمريكا دولة حياد، وقوة ضغط، على كل الأطراف، بحل النزاع العربي الإسرائيلي، وهو كما يقول سيزور المنطقة؛ لكن بأي أصابع السحر سوف يفك تعقيداتها؟ وهل لديه حل جديد خارج التصورات؟ نأمل ذلك..