شهدت الفترة الأخيرة الكثير من السخونة والدخان من دون انبعاث الكثير من الضوء في أحدث المناظرات حول موضوع الهجرة على حدودنا الجنوبية مع المكسيك. ولم يوفق أحد بالوصول إلى «الحلول» المقترحة لواقع قديم قدم التاريح: فالمكسيك (وأخيراً غواتيمالا وهندوراس والسلفادور) لديها أناس فقراء يريدون العمل لتحسين أوضاعهم وأوضاع أسرهم. والولايات المتحدة لديها فرص عمل، والكثير منها أعمال متدنية الأجور لا يقبل بها الأميركيون.

ولذلك جاء هؤلاء إلى الولايات المتحدة بالملايين. ومعظمهم يجد فرص عمل ويجني منها المال ليرسله إلى المكسيك ثم يعودون هم أنفسهم الى وطنهم في نهاية المطاف. وبعضهم جاء فأصبح مواطناً اميركياً وأبناؤه أصبحوا متعلمين ومدللين كثيراً مثل أبنائنا لدرجة انهم لا يفكرون حتى بالأعمال متدنية الأجر التي تنتظر موجة جديدة من المهاجرين للقيام بها.

وهناك فصيلان رئيسيان اثنان في هذا الشجار. الأول يريد بناء سور على الحدود الجنوبية الغربية من براونسفيل في تكساس إلى إمبريال بيتش في كاليفورنيا. ويطالب هؤلاء بجيش من عملاء خفر الحدود مدعومين بقوة عسكرية لحراسة كل متر من تلك الحدود. ويطالبون أيضاً بملاحقة ملايين الأجانب الذين يعيشون ويعملون في هذا البلد واعتقالهم ومحاكمتهم بجريمة الوجود غير الشرعي في وطن الأحرار وأرض الشجعان ومن ثم ترحيلهم من البلد.

والفصيل الثاني يريد طريقة اكثر نبلاً واعتدالاً في التعامل مع المشكلة بحد ذاتها والأشخاص المعنيين. وهؤلاء لا يريدون عسكرة حدودنا، بل يريدون برنامجاً تشريعياً للعمال الضيوف من شأنه أن يسمح لأولئك الذين يسعون إلى الإقامة بشكل مؤقت فقط بقصد العمل بأن يأتوا إلى هنا بطريقة قانونية ليقطفوا ثمارنا وخضارنا وينظفوا غرف فنادقنا ويطهون ويغسلون الصحون في مطاعمنا. وهم يطالبون بعفو عام وتمهيد الطريق لمنح حقوق المواطنة لأولئك الذين استقروا ولديهم عائلات هنا.

ولطالما تعالت في هذا البلد اصوات الجهلة المتوجسين من المهاجرين. وبعض هؤلاء الذين يشجبون المهاجرين الآن هم أنفسهم أحفاد مهاجرين تعرضوا للكراهية والخوف والازدراء عندما وصلوا من ألمانيا، أيرلندا، إيطاليا، البرتغال، روسيا أو الصين لكونهم كاثوليك، وآخرين غيرهم لكونهم يهوداً.

كانت حياة الجيل الأول الذي وصل في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حياة قاسية حقاً. فلقد احتشدوا في احياء قذرة مكتظة في مدينة نيويورك، وعملوا هم وأحفادهم من بعدهم كالعبيد في طواحين نيو إنجلاند ومتاجر الحلويات في مانهاتن. ولو كان هؤلاء موجودين الآن فكيف ستكون ردة فعلهم حيال العبارات الغاضبة القاسية التي يستخدمها احفادهم هذه الأيام ضد موجة اخرى من المهاجرين الذين جاؤوا إلى هنا هرباً من الفقر والملاحقة؟

لقد نشأتُ في طفولتي في جنوب تكساس في سهول شاسعة لم تكن مملوكة لأحد في يوم من الأيام، وكانت تقطنها أحيانا قبائل بدوية أصلية مثل الكرانكاوا واعداؤهم المغيرون الكومانشي. وتم الإعلان عن الحق في ملكية هذه الأرض في البداية من قبل فرنسا واسبانيا ثم من قبل المكسيك المستقلة حديثاً. وتم انتزاعها من المكسيك من قبل عصبة من المهاجرين غير الشرعيين من تنيسي وكنتاكي كما يمكن للمرء أن يتصور.

ومن بين الأولاد اللاتينيين الذين ترعرعت معهم كان هناك أولاد الأجيال الأولى من المهاجرين المكسيكيين، إضافة إلى اولاد العائلات التي وردت أسماؤها في بعض أول منح للأراضي الإسبانية، وهي العوائل التي كانت في يوم من الأيام تملك هذه الأراضي على مد البصر. لقد نزلوا في هذه الأرض وباركوها بأسماء من لغتهم الواضحة. وجلبوا نكهاتهم الخاصة لطعامها ومجتمعها. ولم يكن هؤلاء الرعاة اول رعاة بقر وحسب، بل أنهم ابتكروا فن رعي البقر وعدّته.

وقبل اكثر من 40 عاماً وجدت نفسي في أولى المعارك الطاحنة في حرب فيتنام في وادي إيا درانغ. وكان يقاتل الى جانبي هناك أكثر من عشرين جندياً من مدن وبلدات تقع ضمن مسافة 100 ميل عن بلدتي. وصادفت يوماً جندياً، يدعى فينس كانتو، كان قد تخرج معي من رفيوجيو بولاية تكساس. وكل هؤلاء الجنود ما عدا واحد فقط، كان لهم أسماء مثل غارسيا و هيرنانديز وبينا. وهؤلاء أصدقائي وأشقائي ولا أظن أن في بلدنا من يستحق المواطنة والتقدير والاحترام أكثر منهم.

وليس من حق أي سياسي إلحاق العار بأناس فخورين ونبلاء بإطلاق الكلمات الغاضبة واقتراح حلول غبية لهذا الوضع. وإن إرسال 600 جندي من الحرس الوطني إلى الحدود لا يقدم حلاً وليس بالفكرة الجديدة. فلقد دأبنا على فعل ذلك منذ أكثر من عقد. وهذا بالضبط هو عمل قوة المهام المشتركة في إيل باسو والتي تتكفل بجلب وحدات الحرس الوطني والاحتياط لمساعدة خفر الحدود في مناوبات تستمر لأسبوعين. ويخبرك الجميع هناك أن دور هؤلاء مفيد لكنه لا يمكن ان يكون حلاً حاسماً.

تمتد حدودنا مع المكسيك لمسافة 1950 ميلاً، ولانستطيع تسويرها بالكامل. لا نستطيع حراسة كل متر منها. لا نستطيع أن نمنع أولئك الراغبين في العمل من الوصول إلى فرص العمل التي تحتاج إلى من يشغلها. وما يمكننا فعله هو التعامل بأكبر قدرمن الحساسية والإنسانية مع قضية الهجرة والمهاجرين أنفسهم. ويمكننا العمل بقدر أكبر من التعاون والكرم مع المكسيك للمساعدة في بناء اقتصاد أفضل و مجتمع أفضل لمواطنيها.

وربما علينا التفكير في نقل تمثال الحرية من نيويورك إلى نوغاليس.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل: «البيان»