كم تبدو الصورة قاتمة، صورة المشهد الراهن للنزاع العربي الإسرائيلي. صورة تزداد بؤسا بقدر ما يزداد الانسداد السياسي وتتكرس سياسة الدوران في حلقة مفرغة كل يوم. هنالك خوف من الانفجار الكبير في فلسطين، من ثورة جياع فيما يقول البنك الدولي ان عام 2006 هو الأسوأ في تاريخ الاقتصاد الفلسطيني حيث زاد معدل الفقر إلى 67% من السكان وفيما تحذر دراسة صادرة عن جامعة هارفارد أعدها برنامج أبحاث السياسات الإنسانية للنزاعات، عن احتمال حصول انهيار كلي في قطاع غزة.
انهيار اجتماعي لا بل مجتمعي يواكبه مزيد من تفتت الجسم السياسي الفلسطيني والتوتر المفتوح على العنف والذي يهدد بمخاطر حصول حرب أهلية والسقوط في الفوضى الكلية، فيما إسرائيل التي تشهد ثورة الجنرالات وحرب التحقيقات بعد انهيار عقيدة التفوق الردعي نتيجة حربها على لبنان تعيش مأزقا سياسيا واستراتيجيا يدفع نحو مزيد من التشدد واللا واقعية في التعامل مع المسألة الفلسطينية.
في خضم ذلك كله دلت جلسة مجلس الأمن الخاصة بالنزاع العربي الإسرائيلي والتي انعقدت بناءً على طلب الجامعة العربية يوم 21 ، دلت على استمرار حالة التهميش التي أصابت القضية الفلسطينية على صعيد الدبلوماسية الدولية فيما كان يفترض ان تشكل انقطاعا مع مرحلة التهميش. الجلسة التي كان يفترض ان تؤسس لمرحلة جديدة وضرورية وطال انتظارها لتكون منصة إعادة إطلاق عملية السلام على قواعد جديدة ومختلفة
حيث يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته الطبيعية في مواكبة تسوية النزاع ودفعه نحو الحل، تحولت مع الوقت قبل انعقادها أو تراجعت وانكمشت إلى جلسة تهدف لإحداث صدمة لإعادة تحريك ملف المفاوضات. لكن الواقع كان غير ذلك أيضا فعدم صدور بيان رئاسي عن المجلس في جلسته هذه التي تراجعت كما اشرنا من هدف إطلاق عملية جديدة إلى هدف إحداث صدمة دل على استمرار بهتان الوضع المتعلق بالقضية الفلسطينية
وعدم وجود وضع عربي أو دولي ضاغط باتجاه تفعيل دور الحد الأدنى الممكن لمجلس الأمن. فتحولت الجلسة إلى حفل مراسمي بعد ان سبقها بيان الرباعي ليكرر مواقف سياسية صارت معروفة وجاء خاليا من أي دفع جديد ورؤية تكون على مستوى مخاطر المرحلة. أمام ذلك الوضع كله تبرز احتمالات أربع حول مسار القضية الفلسطينية، احتمالات ليست بالضرورة بنفس الحظوظ.
أولاً: اللجوء إلى الاستراتيجية الأمنية لإسرائيل وهي استراتيجية بنيامين نتانياهو التي تقوم على القطيعة الكلية مع الآخر الفلسطيني واعتبار أن الحل السياسي مؤجل بالمطلق طالما انه من منظور عقائدي لأصحاب هذه المدرسة لا يمكن التوصل إلى تسوية سياسية مع الآخر الفلسطيني،
وبالتالي فإن الأمن بالمطلق لإسرائيل يتأمن من خلال الاستمرار في التفوق العسكري والحفاظ على الوضع القائم بالقوة. يعزز منطق هذه الاستراتيجية مجدداً فشل سياسة الانطواء التي مارسها حزب كاديما. وقد أدى فشل الحرب على لبنان وفشل إقفال ملف غزة بعد الانسحاب الأحادي منها إلى إحياء هذا الخيار بقوة في ظل بيئة سياسية إسرائيلية تزداد فيها سمات التشدد والتحول إلى اليمين سواء كان اليمين الديني او الاستراتيجي.
ثانياً: رغم الإعلان عن انتهاء استراتيجية الانطواء ولو ان رئيس وزراء إسرائيل أكد على تعليق العمل بها بشكل مفتوح فقط الا انه تبقى هنالك احتمالات، رغم فشل هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، للاستمرار في اعتبارها «اللعبة الوحيدة في المدينة» مع تأخير العودة إليها وربما تهيئة ظروف أفضل لذلك طالما ان هنالك رفضا واسعا للولوج في عملية سلام تقوم على الاعتراف بوجود شريك فلسطيني من جهة وطالما انه من الصعب فرض الأمن عبر سياسة الأمر الواقع على طريقة نتانياهو من جهة ثانية.
ثالثا: استراتيجية العودة أو التحريك البطيء لخريطة الطريق، تدل على هذا الاحتمال تصريحات عديدة عن تحرك أميركي قادم وليس عن مبادرة بالطبع. تحرك يرتبط دائما بتحقيق شروط فلسطينية وعن إحياء دور الرباعي. إنها استراتيجية يمكن وصفها بالمستقبل الذي هو تكرار لصورة الماضي القريب: تحريك دون تقدم فعلي طالما انه لا يوجد قرار عند الأطراف الدولية الفاعلة والقادرة بذلك،
كما لا توجد رغبة أو حاجة إسرائيلية ضاغطة تدفع بهذا الاتجاه وبالطبع مع استمرار سياسة الانتظار والتمني والمناشدة والترجي العربية. انها استراتيجية البحث عن السراب والاستمرار في تقطيع الوقت رغم ان الوقت كان دائما عدوا للسلام في الشرق الأوسط، استراتيجية فرض شروط مسبقة مطروحة على الفلسطينيين فقط تزيد في صعوبة تحقيق هذه الشروط السياسة الدولية الراهنة والموعودة.
انها استراتيجية الدوران في حلقة مفرغة فيما تزداد الأمور سوءا. رابعاً: استراتيجية السلام المؤجل دائما رغم الحاجة المعجلة لهذا السلام إذ تبدو هنالك بوادر ايجابية غير رسمية في أميركا خجولة في أوروبا وبدايات مازالت هامشية وضعيفة في إسرائيل تدعو لمقاربة شاملة للسلام لكن الغائب الأكبر لطرح هذه الاستراتيجية وتشجيع هذه الاتجاهات يبقى الإرادة والرؤية العربية.
فمن غير الممكن تفعيل هذه الاستراتيجية كمقاربة وحيدة للخروج من حالة الانهيار الكامل طالما ان الطلاق مستمر بين دبلوماسية المناشدة والمطالبة العربية من جهة وتوظيف الإمكانات العربية خدمة لهذه المطالب من جهة أخرى مما يجعل دائما الحد الأدنى المقبول عربيا وفلسطينيا أقل من الممكن المطروح دولياً.
كاتب لبناني