حديث الفشل الذي تردد حول حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ليس إلا إحدى حلقات محاصرة حكومة حماس، ذكر الحصار الذي بدأ منذ اليوم الأول لهذه الحكومة، وهو حصار تشارك فيه الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح ومعها إسرائيل والولايات المتحدة وبعض النظم العربية،
منذ أن تم الإعلان عن الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية على أن تكون هذه الحكومة الجديدة برئاسة إسماعيل هنية رئيس الوزراء الحالي، أعلنت الولايات المتحدة رفضها لهذه الحكومة قبل أن تتشكل مؤكدة أن هذه الحكومة لا تلبي طموحاتها، إذ تدرك واشنطن أن حكومة من هذا النوع لن تعترف بإسرائيل ولن تقدم تنازلات تناقض مصالح الشعب الفلسطيني، حتى لو تفاوضت بعض أطرافها مع إسرائيل.
وكان هذا الرفض الأميركي هو المعول الأول لهدم الاتفاق بشأن الحكومة، وعندما سافر الرئيس محمود عباس إلى نيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة حاول تليين الموقف الأميركي، لكنه سمع ذات الكلام من المسؤولين الأميركيين حول رفضهم للحكومة، ولم يشفع له أنه أصدر بعض التصريحات لإرضاء الأميركيين والإسرائيليين من نوع أن الحكومة الجديدة سوف تعترف بإسرائيل،
مما دعا هنية للرد عليه من غزة نافياً إمكانية الاعتراف، وهو ما رآه عباس خروجاً على الاتفاق، وإفشالاً للحكومة التي لم تتشكل. وأمام الرفض الأميركي والإسرائيلي للحكومة المتفق عليها قبل ولادتها وجد الرئيس عباس نفسه في مأزق فانحاز إلى الجانب الأميركي الإسرائيلي عبر نسف الاتفاق محملاً حماس المسؤولية.
بلا شك لا يتصور عاقل أن تقدم حكومة ترأسها حماس على الاعتراف بإسرائيل دون مقابل مغرٍ جداً مثل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضي 1967 الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة عليها، فهذا هو موقف حماس المعلن والمعروف قبل الحكومة ولا يزال هو الضابط والحاكم لسلوكها السياسي، وإلا فقدت حماس كل شيء.
وهذا ما دعا إسماعيل هنية إلى عرض هدنة طويلة مع اسرائيل تمتد لعشر سنوات مقابل قيام الدولة الفلسطينية. إن الفشل في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يثبت مجدداً أنه طالما استمر رهان الرئاسة الفلسطينية وبعض قطاعات في حركة فتح على الدور الأميركي الإسرائيلي انطلاقاً من أوسلو فإن أي حكومة وحدة وطنية لن يكتب لها الوجود.
وهذا يفسر رفض فتح عندما كانت في السلطة لكل نداءات القوى الفلسطينية بتشكيل حكومة وحدة وطنية لأنها تعلم أنها وضعت منذ عقد ونيف كل بيضها في السلة الأميركية الإسرائيلية دون وجود أية بدائل. وها هي الضغوط الأميركية الإسرائيلية تفسر مجدداً حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. ومن ثم فإن الابتعاد عن هذا الواقع ليس سوى هروب من ذكر الحقيقة. صحيح ان هناك خلافات بين حماس وفتح في كثير من الرؤى لكن الحقيقة ان فشل حكومة الوحدة الوطنية سببه الضغوط الأميركية الإسرائيلية وليس قطعاً حركة حماس.