منذ خلق الإنسان على الأرض وهو في صراع دائم لا يتوقف حتى اليوم ولن يتوقف حتى آخر يوم في حياة البشرية .. صراع مع الذات بين دوافع الخير ونوازع الشر، وصراع مع الطبيعة المخيفة بحثاً عن الأمن، وبحثاً عن الطعام، وعن المأوى سعياً للسيطرة على قسوتها وغموضها، ومحاولة منه لكشف المجهول طلباً للأمن وللأمان.

وصراع مع أخيه الإنسان في ظل قانون الغاب الذي تكون فيه الحياة للأقوى وتصبح القوة وحدها هي أداة الصراع للسيطرة على الإنسان ذاته لاستعباده ولتسخيره لخدمة الأقوى، وللسيطرة على المياه والأرض سعياً إلى تحقيق الأمن الذاتي والغذائي، وإرضاء نزعات التوسع والاستحواذ ولو على حساب الغير.

والصراع بين الإيمان والإلحاد، وبين الخير والشر، وبين الحق والزيف، وبين الظلم والعدل، وبين الفرض والرفض، وبين الاستبداد والحرية، وبين القهر والمقاومة هو الصراع الدائم على هذا الكوكب منذ خلق الله الإنسان على هذه الأرض، ولأنه صراع جبري وأبدي يصبح على كل إنسان أن يحدد موقفه من هذا الصراع وموقعه مع من وضد من في هذا الصراع .

هذا الصراع هو دراما البشرية التاريخية المتعددة الأشكال والصور، والمتباينة الأهداف والوسائل، الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية يفرض نفسه على الجميع بفعل الإرادات المتضادة، والمصالح المتقاطعة، والأهداف المتصادمة، والأفكار المتعارضة، لكن الإنسان السوي في الوقت الذي يرفض فيه هذا الصراع المفروض، ليس أمامه من خيار بأن يستعد له دائماً، ويخوض غماره إذا فرضت عليه المواجهة.

وما الحياة اليوم إلا ساحة صراع كبرى على امتداد العالم يتخذ شكل الصراع العسكري بالقتال أحياناً وبالثقافي أحياناً وبالاقتصادي أحياناً وبالسياسي أحياناً أخرى ،حيناً تعيش البشرية نوعاً من الصراع الساخن، وحيناً يعيش العالم صراعاً بارداً يغيب فيه السلاح التقليدي فيما يظل التلويح به مستمراً وتشرع أسلحة أخرى بعضها معلن وأغلبها خفي.

والملاحظ أن الذي يريد أن يحتل أرض الغير بغير حق يقاتل حتى يتمكن من اغتصاب الأرض، والذي يدافع عن أرضه باعتباره صاحب الحق فيها عليه أيضاً أن يقاتل دفاعاً عن أرضه . اللص يقاتل ليسرق، وصاحب البيت يضطر إلى القتال ليحمى بيته وأهله ، مما يجعل الإنسان والقتال يتلازمان.

وحتى الرسالات السماوية العظيمة التي نزلت على الناس لتشيع الحق والعدل والسلام في الأرض أقرت بحتمية الصراع بين الخير والشر، وجبرية القتال بين الحق والباطل، لكنها فرقت بين القتال المشروع دفاعاً عن النفس والمال والعرض، والقتال غير المشروع عدواناً على الغير.عندما يقول الله في كتابه العزيز : «كتب عليكم القتال وهو كره لكم» وفي آية أخرى : «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت» ، وفي آية أخرى : «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».

وفارق كبير من يقاتل الغير عدواناً فيما يعرف بالحرب الظالمة، وبين من يضطر إلى القتال دفاعاً فيما يعرف بالحرب العادلة .. لكن يبقى القول في النهاية ...وإذا لم يكن من الحرب بد فمن العار أن تفر جباناً . مع الاعتذار لقول الشاعر: وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جباناً .

ولكن لمن تكون الغلبة في النهاية ؟ .. قد يقول قائل للأقوى بطبيعة الحال، ويظن الكثيرون أن القوة هي قوة السلاح فقط بينما القوة درجات وأشكال ووسائل تتعدد بدءاً من قوة الكلمة ونهاية بقوة السلاح الذي لا يفلح بدون إيمان أولاً وإرادة وصبر ثانياً وتصميم وتنظيم وبسالة ثالثاً .. وقد تتوفر القوة ولا يتوفر الذكاء وهو ما يعرف بفنون القتال، وهنا تكون القوة وبالاً على أصحابها حين يكونون أقوياء ولكن أغبياء !

ولأن المعتدين والمحتلين والغاصبين أراضي وحقوق الشعوب لابد أن يكونوا أغبياء بالطبيعة، لأن الظالم للغير إنما هو ظالم لنفسه أولاً، ولأن الظالمين الأقوياء لا يدركون ذلك فضلاً عن أنهم لا يتعلمون من دروس التاريخ التي تقول لهم إن الحق هو المنتصر في النهاية ولو بعد حين،

ولأنهم لم يستطيعوا في المشاهد الحالية أن يتراجعوا عن الورطات والمآزق التي أوقعوا جيوشهم فيها سواء في أفغانستان أو في العراق أو في لبنان والتي يبدو أنهم يوشكون على الغرق في مستنقعاتها في دارفور وفي الصومال، فإنهم بهذا الغباء النادر لن تنفعهم القوة في الحاضر والمستقبل مثلما واجهوا الهزائم في الماضي في مغامراتهم الاستعمارية الفاشلة على امتداد العالم .

وما حدث في رمضان من معارك في ماضي العرب والمسلمين ومن انتصارات أبرزها فتح مكة، ونصر بدر ، مع قلة عدد وعتاد المسلمين عن جيش الكافرين يؤكد قوله تعالى «وما النصر إلا من عند الله» وقول نبيه محمد عليه الصلاة والسلام «إنما تنصرون بإيمانكم» .. لأن الإيمان بالله يعنى الانحياز للحق بما يوفر مشروعية القتال في حرب دفاعية عادلة دفاعاً عن الحق، ويوفر إرادة الانتصار للحق والعدل والحرية.

وما حدث في حاضر العرب والمسلمين بانتصار العاشر من رمضان المجيد عام 73على المعتدين المحتلين الصهاينة عندما كانت القضية عادلة والقتال مشروعاً لتحرير الأرض، وكان إيمان الجنود المصريين والسوريين ونداء الله أكبر وهم صائمين أبرز أسلحتهم، وكان تعلمهم من دروس الهزيمة، والأخذ بأسباب النصر من تخطيط وتدريب وتسليح وفن قتال هو ما مكنهم من قهر الجيش الذي لا يقهر لأول مرة في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، وأهدوا هذا النصر لأمتهم للعبور بها من حالة الهزيمة إلى واقع النصر.

ومن هنا يبقى شهر رمضان هو شهر الصراع بين دوافع الخير ونوازع الشر، والحق والباطل، والإنسان والشيطان، كما يبقى في الذاكرة والوجدان هو شهر الصيام والقيام، وشهر الجهاد الأصغر والأكبر .. شهر هزيمة الشر وانتصار الخير .. ولأن النصر مع الصبر، ولأنه شهر الصبر يبقى رمضان أيضاً هو شهر النصر. .. ومع ذلك ، وحتى إشعار آخر، فلا يزال الصراع مستمراً!

mamdoh77t@hotmail.com

كاتب مصري