تقوم فكرة نشأة الدولة على حياديتها في صراع المصالح الداخلية، وهي حيادية ليست بالضرورة مطلقة وإنما هي قائمة على منع استواء جماعة على أخرى أو إقصاء فريق عن المنافع دون الآخرين. وهي في هذا لا تكون ممثلة لفريق مجتمعي دون الآخر وإنما هي وإن اختلفت مع البعض فإنها تبقى مع ذلك ملزمة برعاية مصالحة، أي أن الدولة، في أي مجتمع من المجتمعات، يفترض ألا تكون ممثلة لفصيل اجتماعي بعينه دون الآخرين كما أنها يفترض أن تكون لكل الأثنيات المنضوية في هذا المجتمع،

سواء اختلفت أو اتفقت معها في اللون والدين ولربما اللغة. وهي بهذا المعنى التنظيري رغم تمثيلاتها الطبقية يجب أن لا تكون طرفا موجها بشكل مباشر أو غير مباشر لصراع المصالح الداخلية، بل يجب ألا يترك لنوازع البعض، الما قبل حضارية والعصبوية، من منفذي سياساتها أن تقود للإضرار بحالة السلم الاجتماعي الداخلي. وإنما ولكونها اللاعب الرئيسي في المجتمع فهي في ذلك يفترض أن تلعب لعبة توازن المصالح بين الجماعات والفرق والأفراد، حماية للدولة والمجتمع والسلم الاجتماعي.

و لكون المجتمع البشري مجتمعا لم يعد مجتمعا ذا أثنية عرقية أو دينية واحدة وإنما يحمل قدرا ليس عاديا من التعدد الإثني، فإن ذلك يعني أن الدولة في هذا تأتي لتمثل كل الأعراق والأجناس والملل. وتشير تجارب الكثير من المجتمعات في العالم إلى أن أي تجاوز وعبث غير مسؤول بالمركب والبنيان الاجتماعي للقوة القائم على توازن المصالح بين الأثنيات إن هو إلا مولد للصراعات والاختناقات الداخلية إن لم يكن الدمار الكبير.

وإن أية دعوة عصبوية النزوع؛ عرقية أو دينية، تصب المزيد من الزيت على النار، وهي ليست دعوة في اتجاه حل الإشكال والمشكلات أو حتى تجاوز معضلاتها، وهو عمل يرقى في بعض المجتمعات إلى المحاولات الداعية إلى تخريب السلم الاجتماعي، بل والعبث بالأمن القومي للمجتمع.

وتشير التجارب إلى أن هذه الدعوات التي تصب في هذا الإطار، لم تأت إلا بالمزيد من الخراب والدمار الاجتماعي والاقتصادي واضمحلال هيبة الدولة وقوتها والذي بدا واضحا في الحالة اللبنانية والصومالية وأخيرا العراقية.. وتقدم تجارب هذه الدول حجم التكلفة الاجتماعية والسياسية الكبيرة التي جاءت على هذه المجتمعات نظير تبني بعض الأطراف غير المسؤولة في هذه المجتمعات للدعوات العصبوية بمسمياتها وأشكالها المختلفة وتشجيعها أو حتى السكوت عنها.

وليس بخاف أن البعض يرى في مجتمع العصبويات المتصارعة مدخلا لتحقيق أهدافه المؤجلة أو المستقبلية، هذه الأهداف والمرامي التي لا يمكن لها أن تتحقق إلا بمدخل المجتمع الطائفي أو مجتمع العصبيات المتنافرة. وقد يكون هناك نزوع عند بعض الفرق الدينية والمذهبية لإقصاء الفريق أو الجماعة الأخرى تعظيما وحصرا للمنافع في أطرها الأثنية الضيقة وتعظيما لنصيب أفراده منها.

وهو نزوع تغذيه هواجس الخوف من الآخر وضعف قدرة وسائط التعليم والإعلام على تشكيل الهوية الوطنية في مقابل عمل البعض على تعزيز الهوية الطائفية. هذه الهوية، أي الوطنية، التي لا يمكن لها أن تتشكل دون تخل واع عند البعض عن منافع ذاتية قائمة على معايير لا تقيم وزنا للإنجاز ومعطياته من ناحية والعمل على تشكل ثقافي جديد للهوية الوطنية تتجاوز حالة التشظي ونزعات الفرقة وجماعاته.

وللأسف الشديد فإن بعض الممارسات والإجراءات التي يقوم بها البعض من الأفراد والأجهزة الرسمية وشبه الرسمية ولربما المتنفذة، لن تضيف إلا مزيداً من الفرقة وإذكاء حالة التشظي، وهي الحالة التي قد تأتي للبعض بمكاسب نفعية ضيقة على المدى الآني القصير إلا أن مصاحبات مثل ذلك على الوطن والأمة على المدى المتوسط والبعيد أكثر من مدمرة للبنيان والنسيج الاجتماعي والسياسي القائم في المنطقة العربية.

إن تجاوز أي نزوع فردي أو جماعي نحو تأسيس مجتمع الطوائف أو أي طرح من هذا القبيل لا يمكن محاربته أو معالجته بذات المدخل، وإن كان ذلك يستهوي هواجس الهوية الضائعة عند البعض. لأن ترك عنان الدعوة للتفكير في ذلك، في حد ذاتها لا يعني فحسب بداية الدخول الإرادي في تأسيس مجتمع الطوائف والملل وإنما فتح أبواب الدمار والخراب أمام المجتمع. وإذا كان البعض من دعاة المجتمع الطائفي في داخل الدين الواحد وبين الأديان قد تأسست لديه ما أسميناه ـ سابقا ـ بحالة الطائفة ـ فوبيا،

فإن حل هذا المعضل لا يمكن له أن يتم إلا بتخلي البعض من رجالات الدولة وبعض أجهزتها عن أي نوازع أو أعمال تغذي هذه المخاوف المرضية وكذلك العمل على تأسيس جدي ومتدرج للديمقراطية وثقافتها في كل مفاصل المجتمع من ناحية، والشروع الذي يفترض أن يكون أكثر من جدي في تأصيل مجتمع المواطنة التي تتشكل فيه هوية الوطن أكثر منه الطائفة، تتساوى فيه الفرص والمنافع وسيادة القانون والتسامح والقبول بالآخر من ناحية أخرى.

وهي عملية ليست بالسهلة والهينة لان مثل ذلك يتعارض مع مصالح البعض من الطارئين الجدد والقدامى الذين يجدون في تحقيق مجتمع المواطنة تهديدا لمكاسب ذاتية تتعارض مع مبتغيات وأهداف مجتمع الإنجاز، فأي طريق يا ترى ستختاره مجتمعاتنا العربية.