تابع جميعنا، صحافيون ومراقبون وساسة ومهتمون من كل المستويات بالوضع الدولي، افتتاحية الدورة الحادية والستين لاجتماع الأمم المتحدة، والتي بدا فيها الترويكا الأميركي - الإيراني - الفنزويلي، مثيرون للاندهاش، خاصة وان خطاب الدبلوماسية المتعارف عليه في تلك المحافل نسي منذ وقت طويل ذلك النوع من الخطابات المتوترة والمشدودة إلى حد، الكوميديا السوداء، في مكان كان من المفروض أن نجد فيه انتقاء المفردات والتعبيرات الأكثر دلالية وهدوء وإقناعاً ودفاعاً عن الحقوق،

فما فعله الرئيس السوفييتي من فوق تلك المنصة ذات يوم ظل درسا من العار الدبلوماسي للبلد الذي مثله خروتشوف، فقد خلع حذاءه وبدأ يضرب منفعلا، ولكن زلة اللسان كما يقال أهون بكثير من مفردات كثيرة وعبارات عدة وجمل لا تدخل في القاموس السياسي المعاصر ولا القديم منذ نشوء عالم الدبلوماسية، الراقية المنبعثة من أحضان بلاط الأرستقراطية،

وليس الانفعالية والخطابية المدرسية، التي ربما يصفق لها المحبطون وهم جالسون على مقاعدهم، سواء كانت مقاعد في تلك القاعة أو مقاعد المقاهي الشعبية، التي يعلو فيها صوت الغوغاء والديماغوجية اكثر من صوت العقل والحكمة. ويعرف الجميع أن قاعة الأمم المتحدة، تضم دولاً متباينة في المواقف، بل وتصل خلافاتها إلى اكثر من ذلك،

بحيث تدخل فيما بينها حروبا شرسة وعدوانية، ولكن علينا أن نفهم أن لغة السلاح وخطابه مختلفان عن لغة وخطاب السياسة بشكل عام والدبلوماسية بشكل خاص، غير أن هذا الاجتماع التاريخي الغريب، يبدو كان تاريخيا لمملكة البحرين والتي تترأس امرأة هذه الجلسة، لتبدأ الشيخة هيا جولة ساخنة ووضعا تاريخيا مهما من عمر المنظمة،

والتي تستعد لجولات من الحوارات الصعبة، المعلنة والسرية، على أساس الرؤية الجديدة للأمم المتحدة في الألفية الجديدة، فهناك اجندة عريضة ومطالب ومقترحات وتوصيات حول بنية الأمم المتحدة القادمة وضرورة إعادة تركيبها على أسس جديدة، مختلفة عن مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

وإذا ما كان قدر البحرين أن توثق لتاريخها بأنها ترأست أول جلسة حافلة بخطابات عنيفة، بل ومهينة بالمعنى العام للكياسة الدبلوماسية في محفل من هذا الطراز، خطابات بدت وعظية من الرئيس الأميركي، والتي توهم أنها مانيفستو تاريخي للرؤية الأميركية للعالم، الرؤية المشبعة بالنصائح المدرسية والرغبات، التي لا يمكنها أن تحقق عدالة عالمية بين أعضاء المنظمة، عدالة قائمة على ميزان القوة وليس الحق.

لقد كان خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش، لا يبتعد عن الوصايا العشر، وان كانت سياسية ومشبعة بنزعة الأخلاقية المسيحية للمحافظين الجدد، ما نثره الرئيس من فوق تلك المنصة للشعوب، بدا خطابا دراميا بنغمات نشاز متنافرة لم يتم صياغته بتأن عميق، ولم يهتم كثيرا بكل مطامح الشعوب ودولها، فليس أسطوانة الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحريات المنشودة، راية أميركية وماركة مسجلة تحتكرها، فالديمقراطية والحرية قيمة حضارية أوروبية ومن ثم إنسانية أيضا.

ولا يجوز التحدث للعالم من فوق المنصة بروح الدولة العظمى المتسامية والمثالية، بينما هناك روح الغطرسة وشبح الأزمات يحكم مفاصلها الفعلية داخل بيتها، وفي عقر دارها. لهذا اتسم خطاب الرئيس الأميركي، بأبوة هادئة، تبحث لها عن فضاء ضائع ومفتوح ومبهم في عالمنا،

تجهله السياسة الأميركية الحالية وتتخبط فيه كما هو تخبطها في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط، الذي تفتقد لبوصلته في دول مقفرة وأنظمة عصية على الهضم والترويض بسهولة. ويشكل خطاب بوش بمثابة مانيفستو الوداع له ولعنان من فوق تلك المنصة، فلدى الاثنين مجرد أسابيع وشهور، ليختفيا من المسرح السياسي.

أما الرئيس الفنزويلي فقد كان تحفة مسرحية وهو يحرك يديه ويمارس التثليث، وكأنما المنصة مسرح، مولييري، (نسبة إلى موليير) ويردد عبارات مثيرة لا ينبغي أن يتفوه بها رئيس دولة إزاء رئيس دولة أخرى، حتى وان كانت حالة العداء والتوتر بينهما بلغت اوجها وذروتها، فما يفعله الرؤساء من كبوات سياسية وزلات كبرى لا تغتفر، تصبح جزءا من اللطخة الثقافية والسياسية والدبلوماسية لتلك الأنظمة التي تزعمتها تلك الشخصيات.

ومهما كان محبوبا لدى طابور عريض من هواة المفردات الرنانة، طالما أنها موجهة للولايات المتحدة، وطالما بات العالم مشحونا بالكراهية والاشتباكات السياسية المستمرة مع نهج الولايات المتحدة في أنحاء مختلفة من العالم، فإن ذلك لا يجيز للساسة أن تجرفهم الانفعالات والعاطفة السياسية الديماغوجية، المولعة بمرض، الميكرفونيزم، والنجومية السياسية، وبهلوانية السيرك، مثل هؤلاء الزعماء مهما تعالى صوتهم بالمفردات البذيئة، فذلك لا يمنحهم البطولة السياسية وهم يقفون فوق ذلك المنبر الدولي، فخطاب الساسة ينبغي أن يكون اكثر حكمة ومبدئية وهدوء وإقناعاً.

ما يضحك الحاضرون هناك أو المشاهدون من أقصى بقع في العالم ويثير استغرابهم، بل وحتى إعجابهم، سيجدون بعد انتهاء عاصفة التصفيق والضحك، انهم ضحكوا لنكتة مبتذلة لا تعبر في دلالتها عن رجاحة سياسية ولا صلابة مبدئية، بقدر ما هي تعنت سياسي مضاد لغطرسة سياسية معلنة من الضفة الأخرى. ومع ذلك لم نستمع طوال تلك العقود الستة من تاريخ هذه المنظمة أن نعت رئيس دولة عضو رئيس دولة أخرى عضو أيضا في المنظمة بكلمة الشيطان.

ما قام به الرئيس شافيز رئيس فنزويلا في تلك الجلسة الخالية من الدماثة الدبلوماسية، لا تجعلنا تلك الكلمات اكثر حماسة خلف مشروعه العالمي لتحرير فقراء العالم، ولا يجعلنا نؤمن انه البديل الجديد والقادم في القارة للرئيس الكوبي، كما لا يجعلنا نؤمن بأنه المحرر والوريث الفعلي لسيمون بوليفار المرشح لقيادة قارة الجنوب الأميركي ضد الجار الشمالي.

لقد نسي شافيز أن ما يقال بينه وبين كاسترو في مكان مغلق، مختلف عنه في مكان مفتوح. هذا ما لم يتعلمه شافيز من فيديل، الذي لم يقل من تلك المنصة الدولية مفردات تتخطى الخطوط الحمراء للكياسة الدبلوماسية رغم عداء النظامين.

كاتب بحريني