حين تجتمع 16 وكالة مخابرات أميركية وتجمع في تقرير مشترك على القول بأن حرب العراق جعلت مشكلة الارهاب في مجملها أسوأ، فإن هذا الكلام الواضح والصريح والمباشر يندرج تحت مقولة وشهد شاهد من أهلها. وهو ما يعطي مضمون هذا التقرير السري والذي يحوي 30 صفحة في حين أفرج الرئيس الأميركي عن ثلاث ورقات ونصف الورقة منه، كل المصداقية.
ويخلّصه من كل تهم التحامل التي عادة ما يوسم بها مثل هذا الكلام حين يصدر عن شخصيات وجهات عربية وإسلامية أو حتى غربية لأنه ببساطة شديدة لا يجد هوى في نفس الإدارة الأميركية التي تندفع اندفاعا في ما تسميه حربها على الارهاب.
غير عابئة بالأضرار الجسيمة التي يمكن أن تلحقهامثل هذه الحروب الاستباقية بالشعوب وبالأمن والاستقرار الدوليين..وغير مبالية بالنتائج العكسية التي تحدثها السياسات الخاطئة والخطوات غير المحسوبة وبخاصة تلك التي تتخذ خارج إطارالشرعية الدولية.
وكذلك غير منصتة لكل الأصوات الحكيمة والرشيدة التي ترتفع هنا وهناك لتحذر من الآثار المدمّرة لهذه الحرب ليس على الشعوب المستضعفة كما يحدث في العراق وفلسطين فقط، بل وكذلك على السّلم العالمية وعلى أمن وسلامة الولايات المتحدة ذاتها.
فقد أكد هذا التقرير الأميركي الشحم واللحم والبحث والصياغة بأن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة لغزو العراق أدّت إلى تنامي مشاعر العداء المتأصّلة للتورّط الأمريكي في العالم الاسلامي..ومعلوم أن مشاعر الحقد والكراهية متى استبدّت بالإنسان تدفعه للتعبير عنها بأعمال ارهابية اكتوت بنارها أميركا ذاتها.
ورغم التحذيرات وتكرّر الدعوات من كل أرجاء العالم ورغم المظاهرات التي جابت العالم وشملت شرائح كبيرة من الشعب الأمريكي ذاته التوّاق هو الآخر الى السّلم وإلى التعايش مع كل شعوب وحضارات العالم، رغم كل هذا فإن الادارة الأمريكية تصرّ على صممها إزاء كل هذه الأصوات والأحداث والنتائج الكارثية التي جناها العالم بسبب حروبها الاستباقية.
كما تصرّ على التمادي في سياسة الهرب الى الأمام وفرض الأمر الواقع بالاعتماد على حجة القوة وليس على قوة الحجة..أي بعبارة أخرى بالاعتماد على قوة العضلات وعلى غطرسة القوة بدل الاحتكام الى لغة العقل والمنطق.
كل هذه السياسات تضع الادارة الأميركية في مأزق.فعلاوة على أنها ترتدّ على أمن أميركا وسلامهة شعبها.وعلاوة على الدمار الكبير الذي تلحقه بالعالم من خلال توفير مقومات تنامي الحقد والكراهية وما يستتبعهما من ارهاب، فإن أجواء عدم الاستقرار هذه تزيد في تشنيج الأسواق العالمية مثلما يحدث الآن مع أسواق النفط حيث شهدت أسعار هذه المادة ارتفاعا جنونيا لهف مقدرات شعوب كثيرة وهو ما يربك مخططاتها التنموية ويزيد في عوامل الإقصاء والتهميش مع ما يمثله ذلك من احتقان مؤكد.
ليس هذا فقط، بل ان هذه السياسات المتهورة وغير المحسوبة من شأنها أن تزيد في تهرئة مصداقية الولايات المتحدة التي تطرح على نفسها مهمة قيادة العالم ومهمة نشر ما تسميه الديمقراطية في الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.ذلك أن رافع لواء الديمقراطية يجب أن يكون أول الملتزمين بالشرعية الدولية وبقراراتها ـ والساعي الى تصديرها لباقي خلق اللّه .
ولو على ظهور حاملات الطائرات وصواريخ ـ الكروز ـ يفترض أن يعطي المثل والقدوة فيلتزم باحترام حق الآخرين في اختيار ما يناسبهم من اجراءات للإصلاح والتحديث.لا أن يمارس الدكتاتورية في معناها المباشر من خلال تقرير ما يلزم وما لا يلزم الآخرين نيابة عنهم وفرض عليهم عنوة. كما تفعل الادارة الأمريكية منذ سنوات.
إن تقرير 16 وكالة مخابرات أميركية يشكل ناقوس خطر أمام الادارة الأميركية وأمام العالم أيضا.والمطلوب هو التعمّق في دراسة تفاصيله وتمحيص استنتاجاته. لأنه صدر عن مختصين أميركيين أولا وتقودهم مصحلة بلادهم، ولأنه على علاقة وطيدة بمستقبل السّلم والأمن الدوليين.
والمطلوب أيضا هو الكفّ عن هذه السياسات العشوائية التي تعتمد الأمزجة وكأن المسألة مسألة ثأر شخصي أو مسألة تصفية حساب بين شخصين.وهو ما يفترض التحرّك نحو صياغة مدونة سلوك لتعريف الارهاب كما طالبت بذلك أصوات حكيمة انطلقت من تونس أولا ومن غيرها.
كما يتطلب الحل مراجعة الأسس التي تنطلق منها السياسات الخارجية الأميركية بما يعنيه ذلك من تفعيل لقرارات الشرعية الدولية وحرص على إعادة مصداقية الأمم المتحدة.ومن كفّ عن محاولة فرض النمط الأميركي أو التصور الأميركي للديمقراطية على كل شعوب الدنيا دون مراعاة لخصوصيات هذه الشعوب ولمقومات هوياتها ولأولوياتها.
لأن مثل هذه السياسات الخاطئة ترتد على الجميع وتوفر الأرضية المثلى لتنامي التطرّف والارهاب.ومثل هذه الظواهر عمياء وتأكل الجميع بمن فيهم أميركا التي تظنّ خطأ أن قوّتها تحميها أو تحصّنها أو يمكن أن تخلق عالما أكثر أمنا.. وهو ما أكده تقرير 16 وكالة مخابرات أميركية بالتمام والكمال..