لم يكن موقف الرئيس بوش الأخير بعدم قبول ما جاء في التقرير الاستخباراتي حول دور الاحتلال الأميركي للعراق في تغذية التطرف جديداً أو غريباً.

فقد سبق للرئيس بوش أن تجاهل الكثير من التقارير الاستخباراتية التي شككت بوجود أسلحة دمار شامل لدى نظام صدام، وتجاهل أيضاً تحذيرات عديدة تضمنتها التقارير الاستخباراتية اليومية التي كان يتلقاها قبل هجمات 11 سبتمبر من إمكانية وقوع مثل تلك الهجمات.

لكن مشكلة بوش أن نشر التقرير الاستخباراتي تزامن مع تصريح لمتحدث عسكري رسمي باسم الجيش الأميركي في العراق أن عدد الهجمات الانتحارية بلغ أعلى حد له منذ احتلال العراق، وأن أكثر من نصف تلك الهجمات استهدف قوى أمنية عراقية وأجنبية. ذلك التصريح جاء ليؤكد بشكل غير مباشر ما جاء في التقرير الاستخباراتي ويزيد من حرج الإدارة الأميركية.

ولعل ما يعطي التقرير أهمية خاصة أنه صدر عن خبراء في شؤون الإرهاب في (16) مؤسسة وجهة أمنية استخباراتية أميركية، وهو يستند إلى تحليل جملة من المعطيات على مدى 3 سنوات من الاحتلال.

لذلك فإن ادعاء بوش أن التقرير لم تعد له أهمية كبيرة، لأنه منذ عدة أشهر ادعاء لا معنى له، فالتقرير لا يتناول حوادث ذات طابع إخباري مؤقت، ولكنه يدرس ظاهرة على مدى سنوات. وربما هذا ما دفع الإدارة الأميركية إلى تصنيفه على أنه "سري" أصلاً، قبل أن تضطر إلى نشره بسبب التسريبات الكثيرة التي وصلت وسائل الإعلام عن محتواه.

لهذا فإن على الفصائل العراقية المخلصة بمختلف أطيافها أن تعيد بناء مواقفها على أساس أن الخطر الحقيقي على أمن العراق واستقراره يأتي بالدرجة الأولى من استمرار الاحتلال الأجنبي للبلد، وأن تكرس جهودها باتجاه الوصول إلى وحدة وطنية حقيقية تسهل عمل لجنة إعادة تقييم الدستور، بحيث تُعدل البنود الخلافية فيه وتوضع أطر واضحة تمنع تفكك البلد الذي يتجه على ما يبدو إلى فدرالية هشة قد تستغلها بعض الجهات لتقسيم البلد حال توفر الظروف الدولية والإقليمية المناسبة.

إن أوهام الرئيس بوش بأن "الحرب على الإرهاب" تحقق تقدماً بصورتها الحالية لا يمكن أن تخفي الحقائق التي جاءت في تقرير الاستخبارات الأمريكية، وهذا ما على جميع القوى والفصائل الداخلية والإقليمية أخذه بعين الاعتبار لدى وضع السياسة المستقبلية للمنطقة.