عندما أتابع أخبار وطني تونس هذه الأيام ، أتنسم رياحا مباركة تهب من جانب النخبة الحاكمة ومن النخبة المقابلة ولا أسميها المعارضة، رياح خير تبشر بأن الخريف القادم سيكون ان شاء الله فصل الوفاق والتضامن. وأنا ما أزال على اعتقادي بأن تونس مؤهلة لطي بعض صفحات الماضي بالنظر إلى هذه النخب التي مهما كان انتماؤها الفكري فهي تبقى نخبا وطنية فاعلة داخل وخارج السلطة. ومن الخطأ أن تسود بينها علاقات الخشية والحذر والإقصاء المتبادل.

وأنا باركت ما أعلنه رئيس الجمهورية منذ أيام قليلة حينما ندد بأساليب هتك الأعراض ومس الحرمات في سياق حديثه عن الإعلام، موصيا بتوخي التحاور الجاد والأخلاقي عبر وسائل الاتصال الوطنية. وهو موقف يشرف الرئيس والدولة، خاصة وأن منتهكي الأعراض يعتقدون أنهم يقدمون خدمة للدولة بإهانة منتقديها والتعريض بهم بلهجة سوقية هجينة عن تونس، وهو ماهب للتنديد به حتى الصحافيين العاملين في تلك الصحف القليلة الصفراء، وعدد متزايد من كوادر الدولة والحزب الحاكم.

ونحن نؤمن بأن كلام الرئيس صدر عن أعلى قمة السلطة التنفيذية، والرئيس هو في نفس الوقت رئيس المجلس الأعلى للقضاء والضامن لتطبيق الدستور والقانون، ومن المنطقي أن تتبع كلامه هذا محاسبة هؤلاء الذين انتهكوا الأعراض بل احترفوا هذه الممارسات على مدى السنين الأخيرة بلا مساءلة ولا حتى حق رد قانوني، هابطين بالإعلام التونسي العريق إلى حضيض لم يبلغه من قبل، مورطين النخبة الحاكمة التي تمثل حزبا دستوريا أصيلا نشأ على احترام الذات البشرية والارتفاع بالحوار الوطني إلى درجات عليا، قبل أن تنشأ بعض الصحف التجارية لتسيء للدولة أولا قبل الاساءة للضحية المستهدف.

ونحن نحمل محمل الجد والتقدير كلام الرئيس عن موقفه ضد هتك الأعراض ونثمن هذه الخطوة الرئاسية على طريق الوفاق والتحلي بروح الحوار السليم. وسبقت هذا العمل الصالح اجراءات العفو الرئاسي الذي شمل عددا من المساجين في فبراير الماضي، وعاد جمع منهم إلى أهلهم وأولادهم، بالاضافة إلى رجوع عدد من المنفيين الذين غادروا البلاد في ظروف مختلفة، وبعضهم هاجر قبل السابع من نوفمبر 1987 وانقطع عن الوطن لمدد طويلة.

بل وحالفني الحظ عندما أقمت في فرنسا او بلدان الخليج العربي أن ألتقي من بينهم الكثير ممن بلغ درجات عليا من العلم والثقافة والخبرات التكنولوجية ما جعلهم يعيدون النظر في القضايا السياسية والعقائدية التي أبعدتهم عن الوطن، ومنهم من أصبح طبيبا تخصصيا أو مهندسا مبدعا أو خبيرا في التكنولوجيا المتقدمة وحتى بعضهم انتخب عضوا في مجالس بلدية في المدن الأوروبية التي احتضنتهم. وآن الأوان لعودتهم إلى تونس بمبادرة من الرئيس الذي هو رئيس كل التونسيين.

أما المؤشر الثاني الذي حملني على التفاؤل فهو الحوار الراقي والمتحضر الذي أتابعه على صحيفة الصباح الغراء وعلى موقع الوسط الالكتروني وعلى شاشة المستقلة وهو حوار هادئ وبناء بين برهان بسيس ومرسل الكسيبي، وهما مثقفان متميزان أقرأ لهما بكل اعتزاز، أعتقد بأن هذا الحوار أنموذج نادر من احترام الاختلاف ومناقشة الرأي الآخر بلا تشنج أو قمع فكري. لكني أود أن أعرف رأي بسيس فيما أشرت اليه من هتك الأعراض على الصحيفة التي يعرفها والتي تخصصت في تصنيف المختلفين ولو قليلا مع الموقف الرسمي ولم يسلم حتى الزميل محمد كريشان ولا أنا ذاتي الذي أعتبر نفسي إلى اليوم دستوريا لكن مع بعض الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية.

خاصة وبسيس انتقد لهجة الشتم التي استعملها أحد مناقشيه، وهو على حق، لكن قذف أعراض الناس وتهديدهم والنيل منهم بالبهتان هو ظاهرة أخطر. فالتكفير الديني الذي أدانه بسيس وندينه نحن معه لا يختلف جوهريا عن التكفير الفكري والسياسي الذي تمارسه صحافة العار ضد من تحددهم لها جهات مجهولة وخارجة عن القانون، لأن التكفير الأول يخرج الناس من الملة بدون وجه حق والتكفير الثاني يخرج الناس من الوطن بدون وجه حق.وأنا على ثقة من أن رئيس الدولة الذي ندد بهتك الأعراض مستعد لتحفيز القضاء على ملاحقة مرتكبيه في اطار ما يسمى في القانون قيام وكيل الجمهورية أو رئيس محكمة التعقيب بدعوى لمصلحة القضاء حتى لو لم يرفع المظلومون قضايا عدلية.

إن هذا السلوك الرفيع هو الذي يؤسس لدولة الحق والقانون، إلى جانب ما نقرأه لبرهان بسيس من آراء تشرفه وتشرف السلطات العليا التي تشجعه بالتفهم والاحترام، كما قال هو في مقاله الأخير.

هذه بعض الأسباب الموضوعية التي تدفعني للتفاؤل، وأتمنى أن تعزز الأحداث القادمة تفاؤلي، حين نرى من تبقى من المساجين يغادرون السجن ويعودون لأطفالهم، وحين نرى من تبقى من المنفيين يرجعون إلى أرض الوطن، ويندمجون في مجتمعهم.

فتونس لها على مدى القرون عبقرية التوفيق بين المختلفين فكريا دون فتح أبواب الفتنة والقهر. ثم ان الانجازات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تحققت في تونس تدفع باتجاه هذا الوفاق المرتقب.

alqadidi@hotmail.com