بعد الضجة الكبيرة التي أثيرت مؤخراً حول الانعدام المزعوم للعقلانية في الإسلام يستحسن بنا أن نعود إلى الوراء قليلاً لكي ندرك أن العكس هو الصحيح. ولكي نتأكد من ذلك يكفي أن نستشير كتابات فلاسفة الغرب أنفسهم. فالمفكر الفرنسي المعروف روجيه غارودي يعتقد أن النهضة الأوروبية لم تبدأ في إيطاليا إبان القرن السادس عشر، وإنما في الأندلس أثناء القرن الثالث عشر.

ويرى هذا المفكر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في فترة من الفترات أن قرطبة كانت مركز الإشعاع الثقافي للعالم كله بين القرنين التاسع والثالث عشر: أي طيلة خمسة قرون. ففي تلك الفترة تشكلت رؤية شاملة عن العالم والإنسان والله. وهي رؤية مبنية على العقل والإيمان في آن معا.

بل وحتى العلم التجريبي الذي افتخرت به أوروبا لاحقاً أيما افتخار كان قد نشأ في الأندلس الزاهرة كما اعترف بذلك أحد علماء المسيحية الأوروبية: روجيه بيكون.

وبالتالي فبأي حق يقولون إن الإسلام دين معاد للعقل؟! هذا الزعم لا ينطبق إلا على عصور الانحطاط كما صرح مؤخراً المفكر التونسي المقيم في فرنسا: عبد الوهاب المؤدب. أما في العصور الذهبية من عمر الحضارة العربية الإسلامية فقد كان الدين والفلسفة، أو الإيمان والعقل، توأمين لا ينفصلان.

فقط في عصور الانحطاط التي طالت كثيراً للأسف الشديد حصل طلاق بين الطرفين. وهذا الطلاق الذي استمر قروناً عديدة، أي حتى اليوم بشكل من الأشكال، هو الذي أوهم الغربيين أن الإسلام في طبيعته مضاد للعقل.

لكن لنعد إلى روجيه غارودي وتحليلاته المضيئة لهذه المسألة الهامة في تاريخ الفكر الأوروبي المسيحي كما العربي الإسلامي. يرى هذا الفيلسوف الفرنسي أن العلم آنذاك لم يكن مفصولاً عن الحكمة العملية ولا عن الإيمان كما حصل لاحقاً في الحضارة الغربية. ففي الغرب حصل طلاق معاكس بعد أن انتصرت النزعة الوضعية المتطرفة في القرن التاسع عشر وهيمنت على العقول. عندئذ انفصل العلم عن الإيمان كلياً وأصبحت النزعات المادية المحضة هي سيدة الموقف.

بل وحتى العلوم الإنسانية تحولت إلى علوم لاإنسانية! لماذا؟ لأنها حولت الإنسان إلى مجرد إحصائيات ومعادلات رياضية مثله في ذلك مثل الحيوان أو النبات! وهكذا بترت الحضارة الغربية أحد أبعاد الإنسان الأساسية، ألا وهو الروح، ولم تعد تعترف إلا بالبعد المادي الاستهلاكي الفيزيولوجي.

أما الحضارة العربية الإسلامية فقد كانت تنظر إلى الإنسان في كليته الشمولية: أي كروح ومادة، أو كإيمان وعقل. والواقع أن الإسلام أعطى أجمل ثماره في قرطبة، عاصمة العالم آنذاك علماً وفلسفة وحضارة. ففي الفلسفة ظهرت أسماء كبيرة ليس أقلها ابن مسرة (883-931)، وابن حزم (994-1064)، وابن باجة (1090-1139)، وابن الطفيل (1100-1185)، وابن رشد (1126-1198)، وأخيراً ابن عربي (1165-1241). ولا ينبغي أن ننسى الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون الذي هو نتاج الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس مثله في ذلك تماماً مثل ابن رشد الذي كان معاصراً له (1135-1204).

هذا فيما يخص الفلسفة. أما فيما يخص العلوم التجريبية المحضة فقد كان إسهام العرب كبيراً أيضاً في الأندلس. وعلى أساسه بنت أوروبا نهضتها المقبلة. يكفي أن نذكر هنا اسم عالم الفلك إبراهيم بن يحيى الزرقالي القرطبي الذي سبق كيبلر إلى اكتشاف مدارات الكواكب، أو قل مهد له الطريق. ويكفي أن نذكر البطروجي الذي سبق كوبرنيكوس إلى نقد نظام بطليموس الفلكي القديم الذي سيطر على العالم مئات السنين في ظل فلسفة أرسطو. وهناك أيضاً أبو القاسم الزهراوي الذي كان أول من ألف في علم الجراحة عند العرب، بل واكتشف أدوات جراحية جديدة.

ومعلوم أنه ولد في قرطبة في القرن العاشر الميلادي وأصبح أستاذاً للغرب اللاتيني المسيحي لمدة عدة قرون. فأعماله العربية ترجمت إلى اللغة اللاتينية في نهاية القرن الثاني عشر من قبل شخص يدعى جيرار الكريموني.. وفي مجال الشعر والآداب يكفي أن نذكر اسم ابن زيدون ونونيته الرائعة، أو ابن حزم وطوق الحمامة، أو الموشحات الأندلسية وزرياب والموسيقى. وكلها أثرت على الغرب المسيحي وولدت الشعر العاطفي الرومانسي المدعو بالتروبادور. وفي مجال فن العمارة يكفي أن نذكر اسم الجامع الكبير في قرطبة، أو قصر الحمراء في غرناطة.

ولكن يبقى صحيحاً القول إن هذه النهضة الرائعة للعلوم والآداب والفنون نشأت وماتت في نهاية المطاف. فمن الذي قتلها يا ترى؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه روجيه غارودي في كتابه الممتع: قرطبة، عاصمة الفكر. وعليه يجيب قائلاً إن الفقهاء المتشددين هم الذين قتلوها وذلك بسبب ضيق عقلهم وتصوراتهم الجامدة والمتحجرة عن الإسلام. ثم يضيف الفيلسوف الفرنسي هذه المقولة الهامة: كل ما أُنجز من أشياء عظيمة في الإسلام الأندلسي تم ضد رغبة الأصوليين الذين كانوا يحملون تصوراً ناشفاً أو شكلانياً فارغاً عن الدين.

وقد تحولوا إلى أوليغارشية فقهية صارمة تخيف حتى الأمراء والحكام. ولم ينج من سطوتهم وإرهابهم إلا الخليفة الكبير عبد الرحمن الثالث الذي بلغت قرطبة في عهده ذروة مجدها بالإضافة إلى الحكم الثاني. وبالتالي فكل عباقرة الأندلس كانوا ضحايا لمحاكم التفتيش التي نصبها لهم الفقهاء الذين لم يفهموا من الدين إلا قشوره مهملين جوهره وروحه.

كلهم بدون استثناء من ابن مسرة، إلى ابن باجة، إلى ابن حزم، إلى ابن الطفيل، إلى ابن رشد، إلى ابن عربي، والحبل على الجرار: كلهم كانوا مرعوبين من الفقهاء ويعانون من مضايقاتهم وملاحقاتهم. وبعضهم اضطر إلى حياة السرية الكاملة أو النزول تحت الأرض كما يقال الآن كابن مسرة مثلاً، أول فلاسفة الأندلس. عندما يقرأ المرء كلام روجيه غارودي هذا لا يتمالك في أن يصرخ قائلاً: ما أشبه الليلة بالبارحة! ما الذي تغير منذ عصر الأندلس وحتى اليوم؟ تقريباً لا شيء.

نفس الضغوط على المثقفين ونفس الخنق لحرية التفكير، هذا الخنق الذي دمر الحضارة العربية الإسلامية وهي في أوج انطلاقتها. بل وحتى الكتب حرقوها باعتبار أنها تشجع على الكفر! وهكذا ذبلت قرطبة وشحب بريقها بعد أن ذبلت بغداد. ودخلنا في ليل طويل طويل لم نخرج منه حتى الآن. وهكذا أصبحنا معرة للناس أجمعين. أصبحنا «الرجل المريض» للغرب والشرق، ولم يعد أحد يهتم بنا إلا من خلال منظور: مكافحة الإرهاب!!..

وبالتالي فلم يعد يكفي القول: كان أبي وياما كان، أو كان جدي وفعل كذا وكذا.. لا لم يعد كافياً الافتخار بالآباء والأجداد كما نفعل باستمرار لكي نعزي أنفسنا. وإنما ينبغي أن نطرح هذا السؤال: ماذا قدمنا للبشرية منذ انهيار حضارتنا الكلاسيكية في بغداد والأندلس؟ ماذا قدمنا في مجال الطب، أو الصيدلة، أو الاكتشافات العلمية، أو العلوم الإنسانية والفلسفية؟ ماذا قدمنا منذ سبعة قرون وحتى اليوم أيها السادة؟ تقريباً لا شيء.

وهل يوجد اسم عالم عربي واحد أو فيلسوف يمكن أن نفتخر به مقابل افتخار الإيطاليين بغاليليو، أو الفرنسيين بديكارت، أو الإنجليز بنيوتن، أو الألمان بكانط، هذا بالإضافة إلى العشرات أو حتى المئات غيرهم؟ وبالتالي فلا ينبغي أن نستغرب لماذا «يستوطي الآخرون حيطنا» كما يقال بالعامية، أو لماذا يعتبروننا كمّاً مهملاً لاَ أهمية له؟

كاتب سوري ـ باريس