فجأة أصبحت «حكومة الوحدة الوطنية» روشتة علاج للأزمة السياسية المحتدمة في بيروت ورام الله بسيناريوهين مختلفين وهدفين متباينين وإن كانت العبرة واحدة، فحكومة الوحدة الوطنية في بيروت مطلب خصوم الولايات المتحدة، وهي في رام الله مطلب حلفائها، وهي في الحالتين محاولة لا تحتاج إلى تأويل للالتفاف على نتائج صندوق الانتخابات.

وكلا المشهدين عبرته أولا أن ازدواج المعايير مرض شائع في الشرق والغرب على السواء، وعبرته الثانية أن صناديق الانتخابات لم تحقق مطالب كل أطراف اللعبة السياسية.

وأن نتائج الديمقراطية لم تزل عسيرة الهضم وإن اختلفت الأسباب في التجربتين، وأخيرا ففي الحالتين فإن أجندات معدة سلفا يراد فرضها على الناخب، ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه هي النكهة المميزة للوجبة الأولى من الديمقراطية العربية!

حكومات بلا تفويض

التجاذب في بيروت انعكاس لخلاف عميق تتبلور ملامحه بوتيرة متسارعة بين من يرون لبنان «دولة» ومن يرونه «ساحة صراع» وهو ما عبر آية الله محمد حسين فضل الله بقوله: «صنع لبنان الوطن ليكون الساحة.

وذلك من خلال أن لبنان يمثل البلد الذي يخضع لنظام طائفي. ولهذا فإننا نقرأ هذه الأيام تحليلات عن الدور المسيحي أو السني أو الشيعي. إذا كان لبنان وطنا لمواطنيه فلا معنى للعنصر الطائفي. إن لبنان يمثل ولايات غير متحدة وليس وطنا موحدا لبنيه» (حوار في الشرق الأوسط اللندنية 25 - 9 - 2006).

وفي غياب الاتفاق حتى على طبيعة الكيان اللبناني فإن من المنطقي أن تكون نتيجة أية انتخابات عاجزة عن إفراز حكومة تعبر عن اللبنانيين فهي تملك «الأغلبية» ولا تملك «تفويضا» ولكي تملك تفويضا فينبغي أن تستند إلى عقد اجتماعي واضح الملامح يحدد «الواجبات» و«الممكنات» و«المحرمات» في الوطنية اللبنانية.

وهو ما تؤكد تداعيات ما بعد الحرب السادسة أنه محل خلاف عميق. وقد سئل الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل ذات مرة عن مشروعية أن يقرر برلمان بريطاني منتخب أن يحول بريطانيا إلى دولة شيوعية فقال: «لا يجوز لأنه بذلك يتنكر لأساس وجوده».

ومن الناحية السياسية فإن حكومة فؤاد السنيورة تواجه ظرفا داخليا وإقليميا ودوليا شديد الصعوبة وتبدي قدرا كبيرا من الصلابة والحكمة في مواجهة عواصف كان يمكن أن تحمل إلى لبنان نيران فتنة لا تبقي ولا تذر ومن الإجحاف الشديد رجمها بكل هذه الحجارة بسبب الخلاف معها.

وهي من الناحية الدستورية وبالمنطق الديمقراطي تمثل أغلبية الشعب اللبناني لكنها في مواجهة استحقاقات لا تدخل ضمن عمل الحكومة لكون القضايا محل الخلاف بين الأغلبية والأقلية ليست مما تحكمه المواءمة بل ما يحتاج إلى الإجماع، والمشكلة هي في تصور كل فريق أن قناعاته إما أنها محل إجماع وإما أنها تفاهمات ضمنية غير مكتوبة. لكن في المقابل فإن إدخال سلاح حزب الله ضمن توازنات القوى الداخلية صراحة أو ضمنا متغير جديد.

فهذا السلاح كان دائما جزءاً من توازنات الأمن القومي اللبناني في مواجهة الكيان الصهيوني، فإذا أصبح تسليمه مرهونا بزوال التهديد الخارجي فإن هذا يكون أمرا مقبولا أما ربطه بتغير «بنية الدولة» فهو استقواء بالسلاح في مكان مليء بالألغام السياسية القابلة للانفجار في أية لحظة.

ديمقراطية الأجندات الجاهزة

والمطالبة بحكومة وحدة وطنية يمكن فهمه سياسيا لكن ليس من السهل قبوله إجرائيا وبخاصة أن أطراف التحالف المكون للحكومة يملك أغلبية مريحة وبالتالي ليس مضطرا لقبول المطالبة وهو يعرف أن نتائجها ستكون تعقيد الوضع الداخلي اللبناني، بعد أن دخلت قوات دولية بأعداد كبيرة لتباشر مهاما هي أول ما تستهدف وقفه دعوة حكومة الوحدة الوطنية، وبالتالي فإن حكومة الوحدة الوطنية سيكون هدفها تنفيذ أجندة سياسية مغايرة تماما للأجندة السياسية التي جاءت بها صناديق الانتخابات، فالمشكلة في أصلها هي في وجود أجندة معدة سلفا.

والأجندة المعدة سلفا في لبنان هي أجندة مواجهة ورفض لمنطق الشرعية الدولية التي هي بالفعل غير منصفة، لكن الأجندة المعدة سلفا في رام الله هي أجندة الاعتراف بالكيان الصهيوني وتلبية «المطالب الدولية»، فالحكومة التي أتت بها صناديق الانتخابات في فلسطين تتعرض لضغوط قاسية داخليا وإقليميا ودوليا لوأدها قبل أن تمنح أية فرصة لاختبار سلوكها السياسي، والموقف منها في الحقيقة موقف مسبق لأنها تتبنى أجندة سياسية مناقضة لأجندة القوى الدولية الكبرى وحلفائها العرب.

وربما لهذا السبب أصبحت فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية موضوع تأييد ودعم علني من حكومات عربية ومن الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض رغم أنها يفترض أن تكون شأنا داخليا فلسطينيا!

والأطراف التي تؤيد حكومة وحدة وطنية لبنانية ولا تراها التفافا على إرادة الناخب اللبناني هي نفسها - تقريبا - الأطراف التي لم تتوقف عن الإلحاح على رفض الولايات المتحدة نتائج صندوق الانتخابات الفلسطينية بإجراءات الحصار الدبلوماسي وغير الدبلوماسي لحكومة حماس منذ انتخابها ثم بتأييدها العلني لحكومة وحدة وطنية فلسطينية، معتبرة هذه المواقف أدلة دامغة على زيف الادعاءات الأميركية بقبول نتائج الانتخابات.

وفي الحالة اللبنانية هناك قيد يراد فرضه على الحكومة بأن تتصرف تحت سقف محدد سلفا يجعل لبنان ساحة مواجهة، وفي الحالة الفلسطينية فإن القيد هو أن تلبي الحكومة مطالب دولية في مقدمتها الاعتراف بالكيان الصهيوني، لكن المفارقة أن الحالتين تؤكدان أن الديمقراطية العربية غير مرغوب فيها لا من الولايات المتحدة لا من حلفائها ولا من خصومها، وأن هناك في بيروت ورام الله وغيرهما برنامجا سياسيا معدا سلفا، ومطلوب حكومة «على مقاسه» وإن اختلفت التبريرات والديباجات.

وعندما توضع السياسة تحت سقف «مطالب» يجب الانصياع لها وطنية كانت أو دولية، فإن الديمقراطية تصبح مجرد «تكئة» وشكل إجرائي لا غير وهذا العجز عن هضم وجبة الديمقراطية العربية الأولى له دلالاته المهمة، وبخاصة على صعيد استشراف مستقبل التحول الديمقراطي وقدرة القوى السياسية في الداخل، وكذلك الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي على احترام نتائج هذا التحول المحتمل.

من ناحية أخرى فإن خوض التنافس السياسي بعقلية المقاتل لا تقل خطرا على الديمقراطية عن التعامل مع نتائجها بمنطق «غطرسة القوة»، فالديمقراطية العربية «الوليدة» قادرة في الحالتين اللبنانية والفلسطينية على تحقيق الموازنة بين الأجندات الوطنية والضغوط الدولية وقادرة أيضا على تحقيق الاستقرار لكن ذلك مرهون بقبول ما تأتي به من نتائج دون «خطوط حمراء» من الداخل أو «مطالبات» من الخارج!

كاتب مصري