في شهر سبتمبر من كل سنة تجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة (192 دولة) في نيويوك لمناقشة أوضاع العالم ومشكلاته. اجتماعات تتكرر وتتوالى لكن الحروب والأزمات والأمراض والأوبئة تزداد سوءا سنة بعد سنة بحيث أن آليات صناعة القرارات والعمل داخل المنظمة تسيطر عليها ازدواجية المعايير وسيطرة الدول العظمى خاصة الولايات المتحدة.

المنظمة أدركتها الشيخوخة وأصبحت عاجزة تماما على الاستجابة للتطورات السريعة التي يشهدها العالم خاصة بعد انهيار الكتلة الشرقية والثنائية القطبية وبعد إعلان الحرب على الإرهاب.

ازدواجية المعايير التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على مجلس الأمن وعلى قرارات المنظمة الأممية تؤكد عدم ديمقراطية صناعة القرار في المنظمة كما تفرز الكثير من الظلم والاستياء من قبل العديد من الدول التي تعاني من الابتزاز والاستغلال والاستعمار فما يحدث في العراق وفلسطين والسودان.

وما تعاني منه إيران وفنزويلا وكولومبيا من مضايقات يعكس حال المنظمة العاجزة عن تحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية في العالم. فالكثير يرى أن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بها ما هي إلا امتدادات للخارجية الأميركية. فالعراق تم غزوه من قبل أميركا بأكذوبة كبيرة، وعجز من مجلس الأمن الدولي عن منع العدوان.

أصبحت منظمة الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين منظمة تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية باسم مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان والأمن والاستقرار في العالم. أصوات عديدة في السنوات الأخيرة تنادي بضرورة إصلاح المنظمة وإعادة النظر في هيكلتها وتنظيمها خاصة بعد انهيار جدار برلين وأحداث 11 سبتمبر 2001، وآخر المطالبة بالإصلاح والتطوير جاء من قبل مؤتمر هافانا لدول عدم الانحياز.

صورة العالم اليوم وبعد مرور ستين عاماً على إنشاء منظمة الأمم المتحدة صورة قاتمة سوداء تبعث على التشاؤم والحسرة لأسباب عدة من أهمها: أن المنظمة فشلت في تحقيق الكثير من وعودها وأهدافها.

فالحروب والنزاعات تنتشر اليوم في أماكن عدة من العالم. الجهل والفقر والحرمان والأوبئة والأمراض الفتاكة ما زالت تنتشر في العديد من الدول. برامج التنمية التي سطرتها المنظمة منذ الخمسينات إلى الساعة لم تحقق أهدافها، العالم أصبح أقل أمان مما كان عليه في القرن الماضي والإرهاب أصبح لغة العصر ينتشر في جميع أنحاء المعمورة ويضرب أي هدف بدون سابق إنذار.

بعد ستين سنة على إنشائها تواجه المنظمة الأممية انتقادات حادة ودعوات مكثفة للتغيير والتجديد والإصلاح لمواكبة التطورات التي شهدها العالم خلال الستة عقود الماضية. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو هل العالم بحاجة إلى منظمة الأمم المتحدة؟ ما دام أن المنظمة الأممية تستعمل من قبل حفنة من الدول الفاعلة في النظام الدولي.

ماذا قدمت هذه المؤسسة من أجل محاربة الفقر والجهل والاستعمار والأمراض والأوبئة؟ ففي مجال التنمية فشلت معظم المشاريع التنموية في دول العالم الثالث التي عانت من الاستعمار وانعكاساته السلبية في جميع المجالات.

فالهوة بين الشمال والجنوب تزداد يوما بعد يوم وهناك أكثر من مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، 900 مليون منهم يعيشون على أقل من دولار في اليوم. فمعظم الدول المتقدمة لم تحترم التزاماتها نحو الدول الفقيرة ولم تقدم المساعدات وتساهم في توفير شروط التنمية والتطور.

في مجال تصفية النزاعات والحروب ما زالت أماكن عديدة من العالم تعاني من حروب ونزاعات سواء أهلية أو بين الدول، تحت أنظار منظمة الأمم المتحدة التي لم تستطع أن تضع حدا لمشكلات عديدة.

السؤال المطروح هو هل تحتاج المنظومة الدولية إلى منظمة الأمم المتحدة في عالم تحكمه القطبية الأحادية وتديره أميركا بطرقها الخاصة وفق ما تقتضيه مصالحها؟ الأمم المتحدة لم تحقق معظم الأهداف التي تدعي أنها تسعى لتحقيقها. المنظمة فشلت في دارفور كما فشلت في رواندا.

أما بالنسبة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي فحدث ولا حرج، فالكيان الصهيوني يمارس القتل والعنف والجريمة وإرهاب الدولة أمام مرأى ومسمع مبعوثي المنظمة الدولية وقرارات الجمعية العامة للمنظمة ومجلس الأمن وما حدث مؤخراً في لبنان هو دليل قاطع على شلل المنظمة أمام تعسف تجار الحروب والأسلحة. كما فشلت المنظمة كذلك في البوسنة والهرسك وفي نزاع الصحراء الغربية وفي الصومال وفي التعامل مع الملف النووي الإيراني والقائمة قد تطول.

منظمة الأمم المتحدة تواجه اليوم مشكلة الإرهاب والتي تعتبر من أخطر القضايا التي يواجهها العالم برمته وإلى حينه ما زالت عاجزة عن تحديد مفهوم واضح، شامل ومانع للإرهاب. كما تواجه المنظمة مشكلة صراع الحضارات، الصراع بين الغرب والشرق، أو الصراع بين الغرب والإسلام. فالحرب على العراق تعتبر جريمة ضد الإنسانية وسط عجز مجلس الأمن.

فالحجج التي استخدمتها أميركا لغزو العراق كلها باطلة ولا أساس لها من الصحة، فكانت كلها مغرضة وكاذبة ورغم ذلك نجد معظم الدول الغربية تساند وتدعم الأميركيين.

فالولايات المتحدة الأميركية تستعمل وتستخدم منظمة الأمم المتحدة كجهاز سياسي عالمي تابع للخارجية الأميركية لتحقيق أهدافها ومصالحها في مختلف أنحاء المعمورة. والتعامل مع الملف النووي الإيراني لخير دليل على ذلك.

منظمة الأمم المتحدة وبضغط من مجلس الأمن تطبق إزدواجية المعايير في تعاملها مع قضايا العالم ووفق ما تقتضيه مصلحة بعض الأعضاء وخاصة الولايات المتحدة الأميركية. هناك من طالب بتوسيع مجلس الأمن وفتح الباب أمام كل من اليابان وألمانيا والهند والبرازيل، لكن المشروع فشل أمام معارضة الأفارقة الذين يطالبون هم بدورهم بمقعدين.

وأمام هذه المطالب تصر أميركا في حالة قبول أعضاء جدد في مجلس الأمن بعدم تمتعهم بحق «الفيتو». منظمة الأمم المتحدة منظمة فاشلة لعدة اعتبارات. ورغم جهودها المكثفة لتحقيق التنمية واحتواء الإرهاب واحترام حقوق الإنسان وحفظ السلام والأمن والاستقرار في العالم إلا أن النتائج الملموسة في أرض الواقع لا تكاد تذكر.

كثر الكلام في كواليس المنظمة عن الإرهاب وضرورة محاربته والتعاون والتكاتف الدوليين من أجل احتوائه، بدون التوصل إلى وضع تعريف شامل ومانع يتفق عليه الجميع. أما عن موضوع الفقر وديون الدول النامية فتنصلت الدول الواعدة والتي ألزمت نفسها في مواعيد سابقة بالمساهمة في تخفيض الفقر إلى النصف. والتناقض الذي تقع فيه منظمة الأمم المتحدة والدول العظمى هو التعهد بمحاربة الإرهاب لكن دون التكفل بمعالجة أسبابه وظروف انتشاره وتفشيه في العالم.

الجمعية العامة للأمم المتحدة عجزت عن وضع أجنده عملية لإصلاح منظمة الأمم المتحدة، كما فشلت في وضع استراتيجية لتضييق الهوة بين الشمال والجنوب وفشلت كذلك في تحديد الآليات العملية لمكافحة الفقر والجهل والأوبئة والأمراض في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

ففي العالم اليوم هناك شعور بالظلم والابتزاز والاستغلال. فبعد استنزاف ثروات الدول المغلوبة على أمرها والتي اُستعمرت بالأمس، وبعد التجاوزات العديدة التي تُرتكب يوميا باسم الحرب على الإرهاب ضد الأبرياء، وبعد الصراع العنيف بين الحضارات والثقافات والديانات وبعد التزييف والتضليل وحروب الرأي العام، والحرب النفسية والدعاية، تنتشر أكثر فأكثر أسباب الحقد والكراهية والإرهاب. والضحية في آخر المطاف هي الشعوب الضعيفة التي لا حول ولا قوة لها.

هذه الشعوب التي تُستعمل مع الأسف الشديد كأرقام من قبل حفنة من صناع القرار يرسمون مصير مئات الملايين بجرة قلم بدون أدنى اعتبار للأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانية. فالدول العظمى تنادي بالديمقراطية وتصر عليها لكن تدير أمور وقضايا العالم بطريقة غير ديمقراطية ومن خلال منظمة دولية تتناقض معظم قراراتها جملة وتفصيلا مع المبادئ الأساسية للديمقراطية.

منظمة الأمم المتحدة أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية بعضوية 50 دولة وشُكلت وفق معايير ومقاييس تلك المرحلة ومنطق انتصار الحلفاء فالمنظمة اليوم تتعامل مع قضايا العالم بمعايير الحرب العالمية الثانية أي بمنطق الخمسينات من القرن الماضي.

فالمنظمة إذن بحاجة إلى إصلاح شامل وجذري يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الجديدة ـ المجتمع الرقمي، تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، اقتصاد المعرفة، انهيار الكتلة الشرقية، الحرب على الإرهاب- التي تميز العالم في القرن الحادي والعشرين فالمنظمة بشكلها الحالي تجاوزتها الأحداث والمعطيات وأصبحت أداة تسخرها حفنة من الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية على حساب العالم بأسره.

كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة