العقود الستة التي مضت منذ إعلان «دولة إسرائيل» على أرض فلسطين، هي مجرد برهة في عمر الزمن المديد، كغفلة عين وانتباهتها قياسا إلى ما مرت به البشرية من حوادث ووقائع، مفعمة بالأوجاع والمسرات.

وهذه المساحة الزمنية الطويلة عامرة بدول ودويلات وإمارات وممالك، سادت حتى طاولت أعناقها السحب، ثم بادت أو أبيدت فلم يبق منها إلا بعض أطلال، وحكايات تروى.

وفي المكان نفسه الذي تقام عليه «إسرائيل» وحوله أو جواره قامت في القرون الوسطى أربع إمارات لاتينية أنشأها الصليبيون في حملتهم الأولى على الشرق التي بدأت عام 1097م، وهي مملكة بيت المقدس وإمارات أنطاكية وطرابلس والرها، وتولى سدة حكمها أمراء أوروبيون، متمسكون بالأرض التي «تفيض لبنا وعسلا» كما تقول «التوراة».

وحسبما بشرهم البابا أوربان الثاني، الذي خاطبهم بلغة غارقة في الحماسة قبل زحفهم إلى ديار المسلمين: «لقد كنتم تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، فالآن اذهبوا وأزعجوا البرابرة، وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار، وامتلكوها لأنفسكم».

وعلى غرار ما كان قائما من خلاف وشقاق وصراعات بين العرب حين جاءت العصابات الصهيونية إلى أرض فلسطين مطلع القرن المنصرم بمباركة من الاحتلال الإنجليزي، كان التشرذم السياسي للحكام العرب والسلاجقة على أشده وقت زحف الجيوش الصليبية إلى بلادهم.

ولم يكن هؤلاء الحكام على دراية كاملة بما يجري، ولم تكن لديهم قدرة على تقدير الخطر المحدق بهم، فواجهوا الصليبيين منقسمين عرقيا بين عرب وترك، ومذهبيا بين سنة وشيعة، حتى أن الفاطميين الشيعة، الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك، لم يهبوا لنجدة السلاجقة السنة ضد الصليبيين، بل حاولوا التفاهم معهم على اقتسام الأرض والنفوذ.

وعاشت إمارة الرها 46 عاما حتى استعادها عماد الدين زنكي في سنة 1144م ، فشعرت بقية الإمارات الصليبية الخطر، فاستنجدت بالبابا وملوك أوروبا، فلبوا النداء وجيشوا الحملة الصليبية الثانية سنة 1147م ، التي فشلت إلى حد كبير.

وفي سنة 1149 م استعاد نور الدين زنكي بعض مدن إمارة أنطاكية، لكن الصليبيين نجحوا في ضم عسقلان إلى مملكة بيت المقدس سنة 1153م، التي ظلت على حالها «كيانا غربيا مزروعا في أرض عربية» حتى تمكن الناصر صلاح الدين الأيوبي من تحريرها بعد موقعة حطين التاريخية في الثالث والرابع من يوليو سنة 1187، أي أن هذه المملكة عاشت نحو تسعين سنة، ثم لم تلبث أن زال حكمها الغريب تحت سنابك خيل المسلمين.

لكن صلاح الدين عاد وترك للصليبيين في حملتهم الثالثة، بمقتضى صلح الرملة الذي أبرم سنة 1197 ، قطعة ضيقة من الساحل بجوار عكا، تمتد من صور، التي تضربها إسرائيل حاليا، إلى حيفا، التي عانت كثيرا من صواريخ حزب الله.

وإذا كان الملك الكامل قد اضطر إلى التنازل عن بيت المقدس للحملة الصليبية الرابعة التي هاجمت ديار المسلمين عام 1228 م فإن الصالح إسماعيل تمكن من استرداده في سنة 1239 ثم تنازل عنه للصليبيين فغضب الناس منه غضبة شديدة، وشنعوا عليه، وشهروا به، ونادوا بتحرير القدس، فكان لهم ما أرادوا على يد الخوارزمية، حلفاء الملك الصالح نجم الدين أيوب، سنة 1244.

فظلت المدينة المقدسة بأيدي العرب حتى الحرب العالمية الأولى. أما إمارة أنطاكية، وكانت أقوى الكيانات الصليبية في بلاد الشام بفعل المساندة المادية والمعنوية من أوروبا ولعقدها اتفاقية مع المغول ضد المسلمين، فقد أعادها بيبرس إلى حوزة الشرق. وفي عهد السلطان قلاوون تمكن المصريون من استرداد إمارة طرابلس، آخر الكيانات الصليبية في بلادنا، بعد أن عاشت أكثر من قرن ونصف.

وهذا السرد التاريخي يرمي إلى تقديم برهان ناصع على أن الجسد العربي كان دوما قادرا على أن يلفظ أي مضغة غريبة، وهي مسألة تكررت في التاريخ القديم أيضا، وشهدتها مناطق أخرى من العالم، حين تمكن الاستعمار الفرنسي مثلا من إقامة كيانات في غرب أفريقيا، لم تلبث أن انهارت على أيدي المتصوفة والثوار. والأمر نفسه تكرر، وبشكل لا لبس فيه، بجنوب أفريقيا، التي تمكنت الأغلبية السوداء فيها من أن تنتزع حقوقها التاريخية، وتهزم عنصرية البيض وصلفهم.

وهذه السنن التاريخية ليست بعيدة أبدا عن «دولة إسرائيل» ما دامت مصرة على ممارسة أقسى درجات العنصرية مع سكانها من غير اليهود، ودرجة سافرة من التمييز بين اليهود أنفسهم، حسب مسقط رؤوسهم، فبات للأشكناز القادمين من أوروبا فضل على السفارديم المهاجرين من بلاد الشرق، والاثنان أوفر حظا من يهود الفلاشا الذين استقدمتهم تل أبيب من أثيوبيا منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

وظني أن نقطة التحول في مسار إسرائيل ومصيرها ستأخذ ثلاثة أشكال، الأول هو ألا تعد إسرائيل مجرد جيش تحيطه دولة، فتتخلى عن ممارسة أبشع أصناف العنف والكراهية ضد جيرانها، وضد أصحاب الأرض الأصليين من العرب، مسلمين ومسيحيين. وهذا لن يتم إلا حين تعجز إسرائيل عن هزيمة جيرانها، وتفقد مساندة أي قوة عظمى لها، مثل ما لاقته من عون إنجليزي وفرنسي، حين كان هذان البلدان يقودان العالم، وما تلاقيه اليوم من مساندة غير مسبوقة من القطب الأوحد في عالمنا المعاصر، وهو الولايات المتحدة الأميركية.

وإذا كان اليهود لديهم قرون استشعار تجعلهم دوما سباقين إلى التحالف مع الأقوياء، فإن أي تغير في بينة النظام الدولي لغير صالح أميركا، وفقدان التعاطف مع الإسرائيليين الذي استفادوا منه بأقصى درجة ممكنة، يمكن أن يجعل تل أبيب في موضع أقل بكثير من حيث «الصورة» و«القوة»، وهذا سيضطرها إلى رد ما سلبته من العرب، بعد طول عناد.

والثاني هو عدم قدرة إسرائيل على الاستمرار في ممارسة العنصرية ضد مواطنيها العرب، مثلما حدث في جنوب أفريقيا. وإذا أتت هذه اللحظة في ظل تنامي القوة السكانية العربية، بحيث تشكل أغلبية الدولة أو نصفها، أو حتى أقل بنسبة ضئيلة، فإن فرص تراجع الأساس الديني للدولة الإسرائيلية، والذي لا تشبهها فيه دولة بالعالم كله، ستكون كبيرة.

وهذا معناه ببساطة أن يرجع اليهود جزءا من دولة عربية، كحالهم قبل الهجرة إلى إسرائيل. وهذا الخيار ليس مستبعدا حدوثه بعد عدة عقود إذا أخذنا في الاعتبار تضاؤل معدلات مواليد اليهود مقارنة بالمسلمين والمسيحيين في إسرائيل، وكذلك تعزز احتمالات تراجع معدلات الهجرة إلى إسرائيل وارتفاع معدلات النزوح منها، وهي مسألة بانت للعيان خلال الحرب الأخيرة التي خاضها الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله.

أما الشكل الثالث فهو تآكل قدرات إسرائيل، بفعل ضغوط جيرانها عليها عسكريا، وتفسخ مجتمعها، وتصاعد نفوذ اليهود المعادين للصهيونية، وكذلك الذين يرون أن قيام دولة لليهود مخالف لتعاليم التوراة. وعندها قد يجد عدد هائل من الإسرائيليين أنفسهم راغبين في الهجرة إلى أوروبا وأميركا وغيرها، خاصة ان تمكن العرب في لحظة ما بالتاريخ القادم من إنزال هزيمة عسكرية ساحقة بإسرائيل.

إن الدول تولد وتستعفي، ثم تشيخ وتموت، والأيام يداولها الله بين الناس، لكن أحدا لا يتعظ، والجميع تغرهم الأماني، حتى تأتي لحظة النهاية، فيندمون على ما فعلته أيديهم ... لكن الندم لا يفيد أبدا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة