متى تغادر القوات الأميركية العراق نهائياً؟

لا توجد إجابة حاضرة وبسيطة، والأمر لايتعلق فقط بنوايا الإدارة الأميركية أو توجيهات المعارضة داخل الولايات المتحدة بل يتعلق أيضا بطموحات أو مخاوف الفرقاء العراقيين.

لا أحد من بين هؤلاء الفرقاء ـ باستثناء جماعات المقاومة المسلحة السنية ـ يريد ان يودع آخر جندي أميركي مغادر.

ائتلاف التنظيمات الشيعية ـ وفي مقدمتها ـ «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» بقيادة باقر الحكيم والمليشيا التابعة له «لواء بدر» يخطط لإقامة دولة شيعية على رقعة هائلة من الأراضي العراقية تضم الوسط بالإضافة الى الجنوب.

ومجموعة القيادات الكردية تطمح إلى إنشاء دولة كردية مستقلة في الشمال شرعت بالفعل في بناء مؤسساتها بما في ذلك برلمان وحكومة وعلم واقتصاد وطن.

غير أن كلا من القيادات الشيعية والقيادات الكردية يدركون أنهم بحاجة إلى القوة القتالية الأميركية. فمن أجل التمهيد لإنشاء دولة شيعية مستقرة تتحالف القوى الشيعية ميدانيا مع قوات المارينز لاستئصال الفصائل القتالية الشرسة السنية المنخرطة في المقاومة المسلحة وقادة الأكراد يدركون أكثر من غيرهم أن دولة كردية مستقلة ستكون هدفا استراتيجيا لتركيا... وبالتالي فإنها ستكون بحاجة إلى حماية أميركية إلى الأبد.

ماذا عن الأحزاب السياسية السنية؟

إنها أيضا بحاجة إلى مساعدة من القوات الأميركية أولا لحمايتها من القوة الشيعية المسلحة وثانيا لكي تحول القوة القتالية الأميركية دون قيام دولة شيعية ستكون قطعا على غرار النموذج الإيراني.. بل وامتدادا للنفوذ الإيراني. ولننظر إلى هذا المشهد المعقد من زاوية أخرى.. لنجد أنه أكثر تعقيدا. فالولايات المتحدة نفسها تكشف الآن أنها باتت رهينة لتورطها الحالي في العراق بحيث إنها باتت مضطرة للبقاء إلى أجل غير مسمى.

فانسحاب القوات الأميركية سيعني إفساح المجال لقيام الدولة الشيعية وبالتالي تسليم أمر العراق إلى إيران، وسيعني الإنسحاب الأميركي أيضا التضحية بدولة كردية يخطط لها قادتها لأن تكون قاعدة إسرائيلية وأقوى حليف لإسرائيل في المنطقة ذلك أن انسحاب القوات الأميركية سيعقبه على الفور دخول القوات التركية للإجهاز على استقلال الأكراد.

ثم هناك المسألة النفطية

إن أحد الأهداف الاستراتيجية العظمى للاحتلال الأميركي للعراق هو فرض سيطرة أميركية شاملة على صناعة النفط العراقية عن طريق خصخصة هذه الصناعة وتسليمها إلى كبرى شركات النفط الأميركية. وبذلك تستطيع واشنطن تقوية تحكمها في سوق النفط العالمي وبالتالي على أسعار النفط عن طريق التحكم في معدلات الانتاج النفطي العراقي نقصانا أو زيادة. وهكذا تدخل المسألة العراقية على خط التعامل الأميركي مع إيران لغير صالح الولايات المتحدة.

كيف؟

في حمأة حملتها التصعيدية ضد البرنامج النووي الإيراني لمنع هذا البرنامج من التطور إلى مستوى انتاج قنابل نووية مما يؤدي قطعا إلى تحييد الترسانة النووية الإسرائيلية ستفكر واشنطن ألف مرة قبل شن هجوم عسكري تأديبي على إيران. فحينئذ وبصورة تلقائية تقريبا سيكون 140 ألف جندي أميركي في العراق رهينة لقوات إيرانية عبر الحدود تعززها القوة القتالية الداخلية للميلشيات الشيعية.

بكلمة واحدة: ما بين استحالة البقاء واستحالة الانسحاب تبقى أميركا متورطة في العراق إلى أجل غير مسمى.