صارت عبارة «الانفصال» واحدة من مفردات اللحظة السياسية الراهنة في العراق. وصار التلويح بهذا الخيار يتردد مباشرة او مواربة، على لسان مسؤولين أكراد، وكأنه تعبير عادي لا غضاضة في استخدامه مرة من خلال قضية العلم، وأخرى من خلال الملف النفطي او الملف الحدودي للإقليم.. او غير ذلك.. وقد تكرر مثل هذا التلويح بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة، وهي الفترة التي تشتعل فيها الجبهات الأمنية والأخرى السياسية بدرجة غير مسبوقة.
فالبلد فيه ما يكفيه ويفيض عنه من تعقيدات وتحديات وملفات حساسة. وآخر ما يحتاجه هو العزف على وتر الانفصال، كلما برزت مناسبة وأحيانا من دون مناسبة، فالموضوع غدا كاللازمة في المشهد العراقي.
آخر وصلة من هذه المعزوفة وردت على لسان رئيس حكومة إقليم كردستان الذي هدد بالانفصال عن العراق ما لم تسحب الحكومة العراقية مطالبها بأن يكون لها رأي في تطوير موارد النفط في مناطقها الشمالية فإذا رفضت بغداد الالتزام بدستور الاتحاد الذي «اختارت كردستان الدخول فيه بصورة طوعية» عندئذ يحتفظ شعب كردستان بالحق في إعادة النظر بخياره على حد تعبير رئيس الحكومة الكردستانية.
وتجدر الإشارة الى ان التهويل السابق - حول العلم - حرص على استخدام الأسلوب نفسه مع التركيز على عبارة «الدخول الطوعي» الكردي في الاتحاد الفيدرالي العراقي.
واحد من اثنين: إما أن اللجوء الى هذا التلويح يحصل كفزاعة بهدف توظيفها كوسيلة ضغط على بغداد للحصول على مطلب او لإجبار الحكومة الاتحادية على التراجع عن موقف او سياسة معينة. واما ان هذا التلويح المكرر يأتي في سياق تمهيد الأجواء وإشاعة ثقافة الانفصال باعتبار ان هذا التوجه سائر في طريقه الى الترجمة على الأرض في وقت لاحق تحدده الظروف الملائمة.
اذا كان الاحتمال الأول هو الراجح، فإن اللعب على هذا الوتر غير جائز لأنه حساس وخطير. ذلك ان الحديث عن الانسلاخ ليس امرا عاديا يسهل تداوله بهذه البساطة، الكلام عن تفكيك دولة مسألة كبيرة لا ينبغي ان تثار الا في حالات استثنائية ولأسباب تكون بحجم مثل هذه الخطوة المصيرية التي تترتب عليها تداعيات محلية وإقليمية خطيرة.
ثم ان التلويح بمثل هذا الخيار من اجل نيل مكاسب ضيقة قد يغري أطرافا أخرى في الساحة كي تلجأ الى مثل هذا الأسلوب بحيث تصبح ورقة الانفصال وسيلة ابتزاز يؤدي الى نتائج.
اما اذا كان الاحتمال الثاني هو الوارد فإن الأمر يكون اخطر. ففي هذا الوقت الذي تجري فيه المحاولات وتبذل المساعي وتتكثف اللقاءات من اجل لملمة الوضع العراقي، يأتي تكرار التلويح بورقة الانفصال ليزيد من الارتباك والتوجس وبالتالي يتسبب بالتخريب او في اقله بالعرقلة، للجهود الرامية الى إعادة تركيب العراق وإقامة دولته.
ثم ان الانتساب الطوعي الى الاتحاد - الى العراق - يترتب عليه التزام بالعمل على تعزيز وحدة البلاد والتصدي للمشكلات التي تقف في وجه التقدم نحو هذا الهدف. هو بالتأكيد لا يعني التلويح بالانسلاخ عند اقل سبب او قضية، حتى ولو كانت مشروعة ومحقة.
ان ظروف العراق الداخلية والإقليمية فضلا عن مصالح العراقيين جميعهم كلها تتعارض مع اللعب بهذه الورقة ناهيك بالنية اذا وجدت لوضعها موضع التنفيذ.