اظهر استطلاع للرأي اعلنت نتائجه بالامس ان غالبية الفلسطينيين وفقا لهذا الاستطلاع يفضلون انتهاج اسلوب حزب الله وتكتيكاته في مواجهة اسرائيل وفي المقابل فان غالبية الاسرائيليين بحسب هذا الاستطلاع ايضا، يؤيدون خيار المفاوضات السلمية لتسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي حتى لو تمت هذه المفاوضات مع حركة حماس، واقل ما يمكن وصف هذا الاستطلاع به، ليس من حيث منهجيته العلمية ان نتائجه يمكن توجيهها واستغلالها من الناحية الدعائية السياسية لصالح اسرائيل بطبيعة الحال.

ومجرد طرح السؤال على العينة التي تم استطلاع ارائها حول خيار حزب الله اللبناني يعد خروجا عن الواقع الذي يحياه اللبنانيون والفلسطينيون حيث لكل منهما ظروفه الجغرافية والديموغرافية والاستراتيجية التي تختلف هنا عنها في لبنان ذلك البلد المستقل المعترف به وبحدوده على الصعيد الدولي والذي له امتداده وبعده الجغرافي وارتباطه او ارتباط اغلبيته الشيعية مع دول اخرى حريصة على دعم هذه الاغلبية بالسلاح والمال مقارنة مع الحصار المطبق المفروض على الاراضي الفلسطينية من قبل اسرائيل، وهو ما لا يسمح بوصول اي دعم استراتيجي او مالي للشعب الفلسطيني الا ما يتفق مع المصالح السياسية والامنية الاسرائيلية.

ولا يعني ذلك مطلقا ان الروح النضالية هنا تقل عن تلك الموجودة في لبنان فقد شهدت القضية الفلسطينية تضحيات عز نظيرها خلال مسيرة الكفاح التي امتدت عقودا عديدة واخرها انتفاضة الاقصى التي تمخضت عن اكثر من اربعة الاف شهيد وعشرات الالاف من الجرحى والالاف من الاسرى الا ان ما يمكن التأكيد عليه هو اختلاف الظروف الموضوعية في الاراضي الفلسطينية عن المعطيات اللبنانية وبالتالي فان نمط التحرك الفلسطيني لا بد ان ينسجم مع الظروف التي يحياها الفلسطينيون وتصبح المقارنة بين الاسلوبين غير ذات معنى، وبعيدة عن القياس المنطقي او الموضوعي الى اقصى الحدود.

ان ما يمكن استخلاصه من القراءة الاولية لهذا الاستطلاع اذا قام بها اي مراقب من خارج المنطقة هي ان اغلبية الشعب الفلسطيني تفضل المواجهة المسلحة سبيلا لتسوية القضية الفلسطينية ولا تعطي الاهمية الكافية لخيار التسوية السلمية: وهذا ما يفهم من سياق الاستطلاع، حيث لم يرد هذا الخيار كأولوية عند استعراض نتائج الاستطلاع حتى ولو كان السؤال عن موضوع التسوية السلمية قد طرح على العينة الفلسطينية اما من الجانب الاسرائيلي فان السطور الاولى التي اوضحت نتائج الاستطلاع ركزت على اقتناع اغلبية الاسرائيليين بالتسوية التفاوضية، وهذه هي المفارقة الاساس في الاستطلاع.

ومن المؤكد ان نشر معطيات هذا الاستطلاع سيعطي صورة مغايرة للتوجهات الحقيقية للشعب الفلسطيني الذي تبنى العملية السلمية كاولوية استراتيجية وانتخب الرئيس محمود عباس استنادا الى برنامج يعتمد المفاوضات وسيلة لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية العادلة والمشروعة، وما يزال مستعدا لمواصلة طريق السلام العادل والمشرف في الوقت الذي تقف فيه الحكومة الاسرائيلية في وجه التسوية المتفاوض عليها عن طريق التوسع الاستيطاني ومحاولة فرض الحلول الانفرادية واقامة الجدار العنصري الفاصل وغير ذلك من الاجراءات التي تتناقض مع ارادة المجتمع الدولي ومبادرات السلام المتعددة.

والحقيقة التي يتوجب التأكيد عليها هي ان توجهات وقناعات الشعب الفلسطيني نابعة من ظروفه التي فرضت عليه هذا مع احترام توجهات الاشقاء اللبنانيين، وهي توجهات تميل كذلك في معظمها نحو السلام والتعايش بعيدا عن الحروب التي اكتوى لبنان بنارها وما يزال يلملم جراحاته حتى الان.