رغم خطابه المطوّل أمام عشرات الألوف من مناصريه المسيحيين، لم يشأ سمير جعجع رئيس حزب «القوات اللبنانية» المسيحي أن يورد أية إشارة إلى إسرائيل.

كان الخطاب محاولة يائسة للرد على خطاب رصين من زعيم «حزب الله» حسن نصرالله لتقييم نتائج ما بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال يوليو وأغسطس المنصرمين، ولكن بينما كان مشهد الحشود الجماهيرية في الضاحية الجنوبية في بيروت في تجاوبها مع خطاب نصرالله يوحي بأجواء وطنية ذات طابع عربي كان مشهد جعجع وأنصاره يبدو وكأنه تجمع طائفي محدود.

كان جعجع يتحدث عن «شهداء» حزبه الذين قتلوا 1990.. ومن هنا كان من المحتّم أن يتحاشى ذكر إسرائيل، ذلك أن قتلى «القوات اللبنانية» سقطوا كحلفاء محليين لإسرائيل عبر هذه السنوات الطوال.

إن من بين أهم صفحات السجل التاريخي القريب للحرب الأهلية اللبنانية تلك الصفحة التي تقول إن الميليشيات المسيحية اللبنانية كانت تقاتل إلى جانب القوات الإسرائيلية الغازية من أجل تحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية يحكمها قادة الطائفة المارونية، وبقيادة وزير الدفاع الجنرال أرييل شارون، اجتاحت القوات الإسرائيلية الأرض للمرة الثانية خلال بضع سنوات في صيف عام 1982 من أجل تحقيق هدفين استراتيجيين من خلال التحكم في المسارين القتالي والسياسي للحرب الأهلية اللبنانية.

كان الهدف الأول هو سحق منظمة التحرير الفلسطينية عن طريق تصفية الوجود العسكري والسياسي الفلسطيني في لبنان. أما الهدف الثاني فقد كان إنشاء دولة مسيحية تحت الوصاية الإسرائيلية، وبينما نجحت إسرائيل في تحقيق الهدف الأول، فإنها تبقى عاجزة عن تحقيق الهدف الثاني حتى اليوم رغم الهزيمة الحاسمة التي تلقتها الميليشيات المسيحية في الحرب الأهلية.

الآن نشهد صراعاً بين فريقين لبنانيين: فريق وطني بزعامة «حزب الله» يخوض ضد إسرائيل حرب وجود.. وفريق آخر تتقدمه جماعة «14 مارس» يتبنى الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي.

إنه اصطفاف جديد على الناحيتين. لكن الطبيعة الجوهرية للصراع لم يطرأ عليها تغيير، وربما يبدو غريباً أن تتحالف شخصية مثل سعد الحريري تنتمي إلى طائفة المسلمين السنة أو شخصية كوليد جنبلاط تنتمي إلى الطائفة الدرزية مع شخصية مسيحية كسمير جعجع، وعلى الشاكلة نفسها قد يبدو غريباً تحالف قيادات مسيحية كالعماد ميشال عون وسليمان فرنجية وقيادات سنية كسليم الحص مع حزب الله الشيعي.

لكن قاعدة الخلاف الجوهري بين الفريقين تبقى ثابتة: مَنْ مع إسرائيل؟ ومن ضدها.. في إطار الصراع العربي الإسرائيلي العريض.. صراع الوجود.

لهذا يتكلم نصرالله بلسان عربي مبين بالنيابة عن حركة مقاومة عربية تنطلق من لبنان، بينما يتكلم سمير جعجع لمدى ساعات دون أن يستطيع إيراد إشارة إلى إسرائيل من فرط الشعور بالحرج، ومثل هذا الحرج له اسم آخر.