في تاريخ البشرية تفرقة حاسمة بين البطل صانع التاريخ، وآخرين مزيفين، لا يحملون من الزعامة والبطولة إلا اسمها، بلا دلالة أو أي انجاز حقيقي. فالبطل هو الذي أسهم في تغيير مجرى التاريخ، وأنجز تحولات لم يكن ممكناً تصور وجودها بدونه.
وهو لا يصدر في عمله عن دوافع ذاتية أو أوهام طائفية أو نزوع طبقي حتى لو كان مشروعاً، بل تتسع رؤياه لكل أطياف المجتمع، وتتبلور وتنصهر في بوتقة فتح الطريق المسدود حتى تلج أمته ساحة النهوض، والتحرر والانعتاق من ربقة الخضوع لهيمنة قوى الاستبداد والاستكبار العالمي.
والتعاطي مع قضية دور البطل في التاريخ، لا تعنى إلغاء دور النضال الجماهيري، أو تضخيم دور الفرد، بل قراءة الواقع بنظرة متحررة من الجمود والشطط.
واليوم نتذكر بطل العرب وزعيم حركة التحرر العربية وداعية الوحدة، وأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز في مواجهة استقطاب القوتين العظميين وقتها: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي.
وتحل ذكرى رحيل جمال عبدالناصر، وأمتنا العربية في وضع من التشرذم والهوان، أنكى من وضعها إبان نكبة ضياع فلسطين، الكارثة التي أيقظت طليعة الأمة، وألهبت مشاعر الثوار، وفى رحم الوعي بمغزاها ولدت ثورة عبدالناصر في الفالوجا المحاصرة، وانطلقت موجة التغيير والتحول الكبير لوطننا العربي بعد ان طردت جيوش الاحتلال، واستعادت أقطارنا قرارها المستقل.
وحتى لا تفتقد الأجيال الجديدة معنى وقيمة الانجاز التاريخي لعبدالناصر، وتتحول قضية البطولة إلى حديث مرسل، من أحاديث الإفك في لحظتنا الراهنة، نذكر بأن مصير أوطاننا قبل صعود نهج عبدالناصر كان بيد أي ضابط مقيم أو مندوب سامي لبريطانيا العظمى، أو فرنسا أو ايطاليا أو اسبانيا، القوى التي تقاسمت النفوذ على وطننا بعد «الخيبة الكبرى» لثورة العرب ودعمهم أوروبا في الحرب العالمية الأولى، وجاء الجزاء متمثلاً في اتفاق سايكس- بيكو، بكل حدوده المصطنعة المشحونة بألغام إشعال النزاعات والحروب بين العرب.
في مصر مثلاً، كان المندوب السامي البريطاني هو قبلة كل قادة الأحزاب الذين يتسابقون على نيل رضاه، للفوز بتشكيل الحكومة وفقاً للعبة انتخابية «مزيفة»، باستثناء الحزب الوطني الذي ظل حاملاً شعلة النضال من أجل الاستقلال، رافضاً لعبة التفاوض مع المحتل، ورغم محدودية جماهيريته إلا انه كان ملهماً لكل الثوار والمجاهدين، وقدم لثورة عبدالناصر أول وزير ثقافة وإعلام هو شيخ المجاهدين المرحوم فتحي رضوان.
في باقي الأقطار العربية لم يكن الأمر يختلف كثيراً، ويكفي ان الشركات الاستعمارية هي التي كانت تحتكر النفط، مقابل منح مالية هزيلة، ولم يمتلك العرب نفطهم إلا بفضل صيحة عبدالناصر «نفط العرب للعرب».
ويضيق المجال عن الإلمام بكل منجزات ثورة عبدالناصر، لكن التعرف على نهجه في التفكير والعمل الوطني ومقارعة قوى الاستعمار هو «مربط الفرس» لعله يكون هادياً ومرشداً لمن يسعى لاستنقاذ وطننا من مصيره المخزي الذي آل إليه، بفعل الردة عن مشروعنا الحضاري العربي، لصالح مشاريع لقيطة مثل الشرق الأوسط الكبير وما يدور في فلكه من مشاريع طائفية.
أول منطلقات النهج الوطني لعبدالناصر هو العمل لصالح الشعب العربي بكل طوائفه وفئاته الاجتماعية، بحيث تصبح المواطنة والهوية العربية هي محور أي تحرك، ومعيار تصنيف قوى النهضة وتمييزها عن تلك التي تعيق طريق التقدم، فلا فرق بين مسلم سني وآخر شيعي أو بين مسلم وقبطي، فالأقباط «مسلمون وطناً وحضارة».
وتحت علم الهوية العربية يلتقي المارون والكرد مع التركمان والأرمن والبربر، دون الافتئات على حقوق الأقليات، وهو ما يؤكده مسار أحداث تلك الفترة المجيدة من تاريخنا، قبل ان تتحول الأقليات الآن إلى حصان طروادة يتخفى داخل تابوته الأجنبي سواء كان أميركياً أو صهيونياً لا فرق.
وتدور الركيزة الثانية لنهج عبدالناصر حول صون القرار الوطني والحفاظ على استقلاليته، والتعاون مع كل القوى المحبة للسلم العالمي والتعايش الحضاري بين الشعوب، على قاعدة التكافؤ وعدم التدخل، أو محاولة الهيمنة على صنع القرار، ويتعزز هذا النهج بتبني طريق التنمية المستقلة والاعتماد على الذات، وإذابة كل روابط التبعية للآخر.
وهو ما أثمر طيلة فترة عبدالناصر لمصر كل ميراثها من مصانع وشركات يتم تبديدها الآن في سوق الخصخصة بـ «تراب الفلوس» وبطريقة تثير الكثير من الشكوك، فضلاً عن التخريب الذي تتعرض له القلة الباقية من مصانع، تمهيداً لبيعها «خردة».
أما الركيزة الثالثة لنهج عبدالناصر فتدور حول وحدة المصير العربي، وجعل الوحدة هي الهدف الأعلى لنضال أمتنا، لكن دون قفز على الواقع القطري المعقد، والواقع الدولي، وبالتالي ابتداع طرق تدريجية لتعظيم التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي العربي، واعتبار كل تعاون مهما قل شأنه خطوة على طريق الوحدة الكبرى.
وهذا ما يفسر تأني عبدالناصر وعدم تسرعه في مشاريع الوحدة، وتعامله الحكيم مع فشل الوحدة المصرية السورية، ورفضه القاطع لدعوات التدخل العسكري لإسقاط الحكومة الانفصالية في دمشق، حتى لا تسن سنة غير حميدة تفتح الباب لصراعات بين الأقطار العربية باسم الوحدة.
ويعلي عبدالناصر في نهجه من قيمة خلق جبهة عالمية مناهضة لقوة الهيمنة والسيطرة والاستغلال، وجسد ذلك في إعلانه مع الزعيم الهندي جواهر نهرو واليوغسلافي جوزيف بروز تيتو حركة عدم الانحياز، التي صانت دولاً كثيرة عن السقوط في فخ التبعية لأي من القطبين طيلة الحرب الباردة.
وظلت حية رغم فترات الركود، التي صاحبت سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد أميركا بالقرار الدولي، وعادت الآن عفية أكثر شباباً وهى في العقد الخامس من عمرها وصار عدد الدول المنضوية تحت علمها 118 دولة.
سلام على عبدالناصر في ذكراه، وتحية للقابضين على جمر العروبة في زمن الطائفية والتبعية.