«لا شيء سيتغير في نتيجة هذه الانتخابات» قالها أحد الموظفين اليمنيين المتقاعدين من الذين عقدوا العزم على عدم الذهاب إلى صندوق الاقتراع لمراسل الجريدة الأميركية كرستيان سينس مونيتور (20/9). وأضاف: « لا يوجد شيء اسمه ديمقراطية عربية، والديمقراطية التي عندنا ما هي إلا وهم.»!!

ربما كان هذا المواطن على حق، ذلك أن لا أحد كان يتوقع أن تدويراً للسلطة كان سيأخذ مجراه، كما هو الحال في الديمقراطيات العريقة، بل لا أحد كان يتوقع أن تكون المنافسة حقيقية بين الرئيس علي عبد الله صالح، الذي يحكم اليمن منذ 28 سنة، وبين المهندس فيصل بن شملان، الذي كان وزيراً للنفط في العام 1995 واستقال احتجاجاً على استشراء الفساد في الحكومة.

ومع ذلك، فهذه الانتخابات قد جرت تحت سمع وبصر 350 مراقباً دولياً وقرابة 45 ألف مراقب محلي، وقد قيمت كبيرة المراقبين الدوليين الأوروبيين البارونة نيكلسون أوف وينتربون سير المراحل الأولى للانتخابات، أي مرحلة الدعاية والإدلاء بالأصوات بأنها «لبت إلى حد كبير المعايير الانتخابية الدولية وتمت في جو ديمقراطي نسبياً» .

وبالتالي ـ كما تقول ـ «منحناها تقدير جيد إلى جيد جداً». (البي بي سي24/9) ولعل ما يدعم رأي المراقبين الدوليين أن المرشح علي عبد الله صالح قد حاز على 77% من أصوات الناخبين في حين كانت نسبته في الانتخابات السابقة التي جرت في العام 1999 أكثر قليلاً من 96%!!

ولا شك أن الانتخابات الأخيرة قد شهدت تنافساً شديداً خاصة أنها لم تكن انتخابات رئاسية فقط، بل كانت أيضاً لانتخاب مجالس المحافظات الواحد والعشرين والذي رشح لها 1612 شخصاً للفوز ب 431 مقعداً فضلا عن التنافس على مجالس المديريات وعددها 333 وتنافس على مجالسها 6896 مرشحاً.

ولليمن مجلس نيابي منتخب يضم 301 نائب ولم تفلح المرأة اليمنية للوصول إلى سدته في آخر انتخابات أجريت له في العام 2003. ونسبة المشاركين في الانتخابات الأخيرة تجاوزت بقليل 65% من جملة المقيدين في السجلات الانتخابية وعددهم يفوق التسعة ملايين. ولو صدقت أرقام البي بي سي فإن نسبة مشاركة المرأة اليمنية في التصويت قد فاقت نسبة الرجال لتصل إلى 9,3 ملايين ناخبة.

ومهما تكن طعون المعارضة في صحة الانتخابات ونزاهتها، فإنه لا خلاف على أن الرئيس علي عبد الله صالح يحظى بشعبية عريضة لعل أبرز مرتكزاتها تحقيقه للوحدة بين شطري اليمن، وكانت تلك الوحدة حلماً راود جميع اليمنيين ودعت إليه كافة ألوان الطيف السياسي بما فيه الحزب الاشتراكي الذي كان يحكم جنوب اليمن منذ استقلالها عن بريطانيا في العام 1967.

وقد تحققت تلك الوحدة سلمياً في البداية في مايو 1990 ثم بقوة السلاح في العام 1994. وقد وضعت تلك الوحدة الأرضية الفعلية لعملية تنمية حقيقية في بلد أصبح مساحته أكثر من نصف مليون كيلومتر مربع. بيد أن تلك التنمية تتطلب جهداً حقيقياً من رأس السلطة في محاربة الفساد واستخدام موارد الدولة المحدودة استخداماً رشيداً.

وستكون الانتخابات ونتائجها والديمقراطية كنظام قليلة النفع لسكان اليمن البالغ عددهم أكثر من واحد وعشرين مليوناً ونصف والذين يعتبرون أفقر فقراء العرب حيث يعيش أكثر من 45% منهم تحت خط الفقر بدخل لا يتجاوز للفرد 900 دولار في السنة.

وحيث معدلات الزيادة السكانية تفوق الثلاثة والنصف سنوياً، أقول، سيكون ذلك النظام غير ذي جدوى إن لم تحسن القيادة السياسية استخدام موارد البلد الشحيحة الاستخدام الأمثل وإيجاد مصادر أخرى للدخل كالسياحة مثلاً حيث تتمتع اليمن بمناظر طبيعية خلابة وبطقس معتدل في الأجزاء الشمالية وهي فوق هذا وذاك تمتلك شواطئ طولها يربو على الألفي كيلومتر.

وتأتي موارد الدولة حالياً من النفط الذي تنتج منه 390 ألف برميل يومياً تقريباً فضلاً عن احتياطي يبلغ أربعة مليارات ونصف برميل. ولعل زيادة أسعار النفط الحالية قد عدلت ميزان مدفوعات اليمن في العام 2005 لصالحه ببليون ونصف.

وتمتلك اليمن احتياطياً للغاز الطبيعي يقدر بـ 479 مليار متر مكعب. واليمن السعيد أرض زراعية بيد أن كثيراً من أراضيها الصالحة تهدر في سبيل زراعة القات، الذي هو فضلاً عن أنه مادة مخدرة تعيق الإنتاج والنشاط، فإن زراعته تستهلك نصف كمية المياه المخصصة للزراعة.

وتواجه اليمن مشكلات عديدة أخرى تحد من تطورها وتجعل تلك العملية صعبة. فنسبة الأمية فيها مرتفعة تتجاوز نصف سكانها، ومازالت الولاءات القبلية معيقاً لبسط سلطة الدولة بشكل فعلي على كل ربوع اليمن. وهناك تذمر من أهل الجنوب بسبب الإحساس بالتمييز فضلاً عن انتشار التطرف الديني الذي يمتزج بالقوى القبلية وبالتالي يصعب محاربته.

على أن تلك الصعوبات وإن كانت تمثل تحديات للسلطة اليمنية بقيادة الرئيس علي عبد الله صالح، غير أن تلك القيادة أصبحت بوضع سياسي أقوى بتجديد شرعيتها بواسطة الاقتراع الشعبي العام الأمر الذي يمكنها من تذليل تلك الصعوبات انطلاقا من أرضية صلبة مدعومة بزخم شعبي عارم.

alyusefi@hotmail.com