صار النكران، عند إدارة الرئيس بوش؛ بالنسبة لحربها على العراق، ماركة مسجلة باسمها؛ تحتكرها دون سواها. من البداية اعتمدته كنهج تمسكت به ومارسته على طريقة «عنزة ولو طارت».

كل العالم على خطأ، في هذا الملف، وحدها على صواب. ما من مرة اعترفت بخطأ أو تراجعت عنه. حتى عندما تكون الوقائع على الأرض واضحة، وضوح الشمس، في عزّ النهار. من زعم أسلحة الدمار إلى ذريعة علاقة النظام العراقي البائد بالقاعدة... مكابرة وإصرار على المضي بنفس الخط.

آخر نموذج من هذا النكران كان أول من أمس، عندما سارع الرئيس إلى نفي ما جاء في تقرير استخباراتي اميركي عن الإفرازات السلبية والخطيرة التي تركتها الحرب العراقية.

جاء في التقرير أن الحرب عززت الإرهاب وجعلت خطره أكبر ومداه أوسع. كما حذر من تزايد الأخطار، لو استمرت الأمور على هذه الحالة. التقرير سري وهو حصيلة ما تراه كافة وكالات التجسس والمخابرات الأميركية الخمس عشرة. وقد جرى تسريب هذا الجزء منه، سارع الرئيس بوش إلى رفض هذا الكلام؛ زاعماً أنه جرى انتقاؤه بصورة مجتزأة من التقرير. كما أعرب عن انزعاجه من التسريب لأنه حصل بدوافع سياسية، كما قال؛ بدليل انه أتى عشية انتخابات الكونغرس، بعد نيف وشهر.

ربما كان ذلك صحيحاً. خاصة التوقيت والنية في توظيفه انتخابياً لكن ذلك لا يغير في الأمر شيئاً، فسوء الحال في العراق والواقع الأمني المتردي؛ يتحدث عن نفسه، ثم ان هذه الشهادة صادرة عن مراجع أمنية أميركية؛ لا يمكنه التشكيك في نواياها أو تقديراتها، ثم أيضاً هناك السوابق، بالنسبة لهذه الحرب، التي تنطق بالحقائق وتلتقي بالتالي مع ما احتواه التقرير.

وإذا كان كل ذلك لا يكفي فيمكن مراجعة ومتابعة ما صدر عن أوساط أميركية كثيرة، في الكونغرس وفي وسائل الإعلام عن الأخطاء والتخبط في العراق، وما أدت إليه من انفلات العنف؛ ناهيك بالمأزق السياسي والأمني والاقتصادي، الذي يتحكم بالبلد منذ وقوع الحرب.

المشكلة في موقف الإدارة لها وجهان:

أولاً: التشبث بطروحاتها وتوصيفاتها للأوضاع.

ثانياً: وهذا هو الأخطر؛ هو إصرارها على مواصلة السياسة ذاتها التي اعتمدتها؛ على الرغم من الحصاد البائس لها، وبالتحديد في العراق.

وهنا يكمن التخوف المشروع من نفي الرئيس لما جاء في هذا التقرير. فالإدارة بإصرارها على أن الأمور تجري على ما يرام وأن الانجازات التي تحققت في العراق حتى الآن تبرر سياساتها، لا يعني أنها لا ترى ما يجري على أرض الواقع.

بل يعني أنها عازمة على حجب الحقائق وعلى إحاطة الأوضاع بالسرية التي اعتادتها في سياستها الخارجية. ومن هنا انزعاجها في كل مرة يفتضح جانب محرج من جوانب هذه السياسة وكان آخرها مسألة السجون السرية المتجولة، في الخارج، وخاصة عندما يحصل مثل هذا الفضح، في ظرف دقيق؛ كما هي الحال اليوم.

الأوضاع في العراق وبالتحديد موضوع العنف، متردية وواضحة إلى درجة أنها لا تحتاج إلى تقرير استخباراتي لتأكيدها، وربما ما لم يحتويه التقرير هو أن الاحتلال وسياساته، ساهما إلى حد بعيد في ما وصلت إليه الأمور في عراق اليوم، وعليه فإنه لن يفيد بشيء التصدي لمعلومات أو لقراءات بهذا المعنى على العكس، تؤدي محاولة إنكارها إلى تعزيز صدقيتها وإلى ترسيخ الشكوك، فوحده الاعتراف بالحقائق العنيدة على الأرض يفتح السبيل للمخارج والحلول السليمة، وليس المكابرة البائسة.