بالرغم من كل الصعوبات السياسية التي ما زالت تؤخر إعلان حكومة الوحدة الفلسطينية ، لكن العزم والتصميم اللذين يبديهما الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة إسماعيل هنية حول ضرورة المضي قدما في تحقيق هذه الخطوة المهمة ، والحرص المتبادل من الطرفين على ضرورة تجاوز الخلافات السياسية ، يشير إلى أن هناك نتائج ايجابية على الطريق.
لقد أصبح من نافلة القول ، أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حكومة وحدة وطنية ، وهو مطلب يمثل اجماعا في الشارع الفلسطيني لتجاوز حالة الاختناق الاقتصادي والسياسي التي يعاني منها الشعب الفلسطيني ، وكذلك لضمان بسط سيطرة أمنية مشتركة منظمة ، ومنع وردع كل أشكال ومظاهر فوضى السلاح ، التي باتت تشكل أزمة حقيقية لكل أبناء الشعب الفلسطيني ، والتي كان آخرها عملية الاغتيال المدانة لضباط الاستخبارات.
حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية تواجه مهمتين رئيسيتين ، الأولى متفق عليها تقريبا وهي تحسين الأحوال المعيشية والاقتصادية والإدارية للشعب الفلسطيني ومؤسساته ، من خلال الإدارة الدقيقة للموارد الاقتصادية والمؤسسية ، والثانية مختلف عليها وهي البرنامج السياسي للحكومة فيما يتعلق بالتفاوض ، أو عدم التفاوض مع إسرائيل.
تصدر عن حماس إشارات متضاربة حول قضية التفاوض مع إسرائيل والاعتراف بها. من جهة ما تقدم حماس عرضا مغريا لهدنة مدتها عشر سنوات ، ولكن العنجهية الإسرائيلية ترفض لأنها تريد اعترافا فوريا وبلا شروط ، ومن ناحية أخرى يؤكد هنية بأنه لن يكون رئيس حكومة تعترف بإسرائيل ، ويريد ترك التفاوض للرئاسة الفلسطينية ، ولكن في واقع الأمر وبكل تجرد ، من الصعب أن يقبل المجتمع الدولي ذلك ناهيك عن إسرائيل طبعا.
من حق حماس أن تحتفظ بأوراق سياسية مهمة من أجل التفاوض. إن دخول أي طرف فلسطيني في عملية تفاوض مع إسرائيل يتطلب وجود أوراق مهمة يحتفظ بها الطرف الفلسطيني ولا يقدم تنازلات بلا ثمن ، وهذا الدرس تعلمناه جميعا من طريقة إدارة اتفاقيات أوسلو ، التي حصلت فيها إسرائيل على اعتراف فلسطيني مقابل ثمن قليل جدا ، وهذا الأمر تم بوجود قيادات إسرائيلية وأميركية (رابين وكلنتون) تبدو الآن معتدلة تماما مقارنة بما نراه من أولمرت وبوش ، ولهذا فإن الطرف الفلسطيني يبدو محقا تماما في التمسك بورقة حماس التفاوضية.
ولكن يمكن لحماس والرئاسة الفلسطينية ، التوصل في نهاية الأمر إلى صيغة توافق تتضمن موافقة حماس على التفاوض مع إسرائيل ، بشرط الاعتراف الإسرائيلي والالتزام المسبق بمبادرة السلام العربية التي تم إطلاقها في بيروت 2002 ، وبالتالي يتم التفاوض الفلسطيني ضمن إطار سياسي شمولي ، لا يسمح لإسرائيل بالتفرد في الشأن الفلسطيني ، ويفرض على إسرائيل التزاما أمام العالم بالتوصل إلى تحقيق المبادرة العربية ، وتكون النتيجة تمسك حماس بورقتها التفاوضية المهمة ، مقابل ثمن سياسي واضح وهو استعادة الحقوق الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود العام 1967.
هذه العملية ستكون طويلة ، وفيها الكثير من العوائق والمراوغات الإسرائيلية ، ولكن من المهم أن تكون هناك بداية ما ، وأن يظهر الطرف الفلسطيني بوضوح ، أنه يرغب في سلام ضمن إطار المبادرة العربية ، بينما إسرائيل هي التي ترفض ، وهذا من شأنه تجاوز الكثير من حواجز الحصار الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني.
في ظل وجود رغبات صادقة بالتوصل إلى اتفاق واضح بهدف تحمل المسؤوليات الوطنية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني وتجاوز خطر الانفجار الكبير في المنطقة ، نحمل الكثير من التفاؤل حول نشاطات ومبادرات تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية.