كلما تفتح عينيك، وتسمع بأذنيك أحوال المنطقة، وزفات عرائسها التي تنتهي بالطلاق، يبرز لبنان وفلسطين على قائمة الأولويات للتشابه الكبير في العديد من المشكلات والحلول، وغياب التمثيل الحقيقي للمواطن الذي ضاع بين من يشدون الحبال على رقبته ويكتمون صوته..
في لبنان ظل التعايش مرهوناً بتلاقي الرؤوس الكبيرة على حد أدنى من التفاهم وقبول هدنة لا تكتب شروطها، وإنما تُقبل إذا تحققت مصالح تلك القيادات، وقد استطاع لبنان أن يدير الانقلابات ويصبح مأوى المشردين العرب، ويجعل من صحافته دكاكين للمزايدين، لكنه تعايش مع التناقضات بسلوك لبناني فريد، إلى أن تحول التماس الإعلامي من الكلام إلى "الكلاشينكوف" وعندها بدأت الحرب التي عممت مأساتها على كل فصيل وفئة، وطائفة..
الآن، وبعد الحرب الأخيرة لم يعد هناك ما يطمئن بأن لبنان في طريقه للنقاهة والتعافي، حيث صار الهدف إلغاء الوطن، ليحيا زعيم الطائفة، وتحول السجال على الحكومة واحترام الدستور، والتساوي بالحقوق، إلى العكس، حيث برزت الطوائف، والتحالف واللجوء إلى القوى الإقليمية التي تدير المعارك بالواسطة، مما يضع لبنان على الخط الساخن الأقرب للانفجار..
في فلسطين حماس تريد حكومة بمواصفات مثالية، لكن الواقع عكس ذلك، والمعركة تحولت إلى الشارع الذي لم يعد يهتم بمن يمثله بالمجالس والبرلمانات، وحتى مجلس الوزراء، بل من يعطيه متطلباته الضرورية، لكن المعركة بين حماس وفتح صارت تتسع، وتطورت الحالة إلى عزلة واتهامات بين الطرفين، وكل يدعي الحق في طروحاته..
فحماس ترفض أي عنصر يعترف بإسرائيل، ولا يمكنها الدخول معه في شراكة بالحكومة، وفتح لديها التزامات دولية وإقليمية، ومواثيق مع إسرائيل باعتبارها حكمت كل الفترة السابقة، والتقاطعات ،ولا تستطيع نقض تلك الالتزامات، والرئيس الفلسطيني يقوم بدورات على مختلف الاتجاهات والدول رغبة في وصل المقطوع من الصلات بين الفلسطينيين، لكنه لا يستطيع حسم القضايا الخلافية بإصدار قرارات حاسمة..
هذه الرؤى تؤكد أن وحدة الجبهة الوطنية بأي دولة عربية هشة وسهلة الاختراق والإثارة، ولبنان وفلسطين نموذجان صغيران للعراق، والسودان والصومال، وربما تتصاعد الخلافات إلى القطيعة، لأن المرتكز الذي قامت عليه الأحزاب والمنظمات والحكومات لا يمثل الشريحة الكبرى من المواطنين، وبسبب انعزال السلطة عن المواطن، بدأت تشب الحرائق، وتحول أي زعيم حزب وطائفة يرفع الشعارات بأي مضمون قريب من هياج الجماهير، يجعله البطل المنقذ، وهذه البطولة تستطيع اختراق مشاعر المواطنين بجمل رنانة، وتلك هي أزمة الأذن العربية التي تهزم كل ما نفهمه من العقل وطبيعته الراجحة التي ضاعت بين خصومات القبائل..