ربما لم تثر شخصية سياسية، على المستوى العربي، من العواصف والعواطف ما أثاره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بشخصه وشخصيته، فقد شغل معارضيه وألهم مناصريه طوال الفترة التي قضاها في السلطة، منذ صبيحة الثورة يوم 23 يوليو 1952 وحتى رحيله المفاجئ في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970.

ولم يدخر كل من الطرفين (المناصرون والمعارضون) أي جهد دعائي أو إعلامي لتبرير موقفه أو دعم موقعه، وان تجاوز حد المبالغة واحترام العقل والمنطق في أغلب الأحيان. ورغم أن مثل هذا الفعل ممجوج وغير مقبول أخلاقيا، إلا أن لدى البعض في السياسة منطقا آخر.

ولسنا هنا في معرض التبرير أو التقييم لمدى مصداقية هذا الطرف أو ذاك، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار: لماذا هذا الإصرار الدائم على تشويه صورة عبد الناصر وحقبته السياسية، في كل مناسبة وأحيانا بغير مناسبة؟ ما هي دوافع ذلك وما أهدافه؟

وهل كان عبد الناصر سيئا إلى هذا الحد أو بالغ الأهمية لهذه الدرجة؟ وإذا كانت الأولى فلماذا يستمر الاهتمام به طوال هذه العقود؟ وان كان لأهميته فلماذا الاختلاف حوله بهذه الحدة والشراسة وعدم الموضوعية في معظم ما ينشر حوله أو يبث؟

لكننا سنفترض جدلا أنه لم يمر في تاريخ الأمة العربية أكثر سوءا ولا أشد خطرا عليها وعلى مصالحها المرحلية أو الإستراتيجية من جمال عبد الناصر، ومن سياساته ومواقفه الداخلية والإقليمية والدولية. وهذا على كل حال افتراض يعتبره البعض حقيقة، أو يعامله كذلك على الأقل!

غير أن اعتماد مثل هذا الافتراض يطرح علينا السؤال مجددا، وبصورة أكثر إلحاحا وجدية. فإذا كنا نرى عبد الناصر ومسيرته بهذا المنظار، وإذا كان الرجل قد رحل عنا وعن دنيانا منذ ستة وثلاثين عاما، فما الذي فعلناه بعده؟ ماذا صححنا من «أخطائه»؟ وما الذي أنجزناه مما أخفق هو في تحقيقه؟

هل حررنا شيئا من فلسطين أم أننا اليوم نكاد نفقد مجرد الأمل في بقاء بعض أهلها فيها؟ هل منعنا غزو العراق واحتلاله والعمل على تفكيكه؟ بل هل استطعنا أن نحول دون غزو الكويت واجتياحها عام 1990 كما حال عبد الناصر دون ذلك عام 1963؟

أين الديمقراطية التي أرسيناها والحرية التي وفرناها لنغسل بها عار «دكتاتورية عبد الناصر» واستعباده للفلاحين والمستضعفين؟ ماذا عن التكامل العربي الذي بشر به عبد الناصر ودعا إليه؟ أم أن دعوته في حد ذاتها مبرر كاف للتنافر والتباعد والاختلاف بسبب أو من دونه؟ وأين أصبحت سمعة العرب ومكانتهم إقليميا ودوليا بعد عبد الناصر؟

أما أرقام «التنمية» و«إنجازاتها» على المستوى العربي فلا تحتاج إلى دليل، أكثر من ملايين العاطلين الباحثين عن وسيلة لكسب الرزق في مواطنهم دون جدوى، ودعاوى الفساد والإفساد التي لم تعد تثير اهتمام احد من عامة الناس لكثرة ما اعتادوا عليها وعلى أصحابها هنا أو هناك!

إن ثلاثة عقود وأكثر من نصف عقد من الزمن فترة كافية بل طويلة، لتحديد المسارات ووضع السياسات وتحقيق الغايات والأهداف، إن كان هناك من لديه أهداف حقا ويريد تحقيقها فعلا!

لقد استطاعت اليابان أن تتخلص من آثار حرب عالمية وقنبلتين نوويتين في أقل من هذه المدة بكثير، كما أن ألمانيا التي تعرضت لحربين عالميتين في اقل من نصف قرن تمكنت من تجاوز آثارهما المدمرة وتداعياتهما الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، بل أكثر من ذلك استطاعت أن تستعيد وحدتها بعد أن تقاسمها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية!

فما الذي أنجزته الدول العربية خلال الفترة الماضية منذ رحيل عبد الناصر سوى مزيد من الخلافات والانقسامات «البينية»، إضافة إلى مزيد من الاحتلال والهيمنة الأجنبية؟ ما عدا بعض الانجازات المحلية والاستثناءات القليلة.

لم يكن عبد الناصر نبيا أو قديسا كما قد يتوهم البعض، لكنه كذلك ليس شيطانا رجيما كما يراه آخرون. لا هو معصوم من الخطأ كليا ولا هو مخطئ في كل شيء. مثله مثل زعماء وقادة آخرين عديدين على مر التاريخ، يخطئون ويصيبون في تقديراتهم وممارساتهم، كما في اعتقاداتهم ورؤاهم، وإنما العبرة بأي الكفتين تميل. فلأي منهما الغلبة بالنسبة لعبد الناصر؟

إذا كانت الإجابة من منظور عدائي مسبق فالنتيجة حتما لن تكون إلى جانب عبد الناصر، أما إن استند الجواب إلى مقارنة بين الماضي والحاضر أو تركت الإجابة لرأي الجماهير ومنطق الأحداث، فلا شك أن عبد الناصر سيكون الرابح الأكبر، حتى بالنسبة لمن يختلفون معه، إن كانوا منصفين.