بيّنت وقائع الانتفاضة الفلسطينية، التي اندلعت قبل ستة أعوام (سبتمبر 2006)، بشعاراتها وأشكالها ومساراتها، افتقاد الفلسطينيين إلى استراتيجية واضحة ومشتركة، كما افتقادهم إلى المؤسسات والمرجعيات الوطنية المشتركة.
هكذا أكدت تجربة الانتفاضة، وقبلها تجربة المفاوضات، ومعها تجربة بناء الكيان، أن التحدي الذي يواجهه الفلسطينيون في عملية بناء الذات لا يقل البتّة عن التحدي الذي يواجهونه من جانب إسرائيل، وأن الإخفاق في المجال الأول، يفاقم خسائرهم، ويعقّد أوضاعهم، ويبدّد انجازاتهم، ويقلل من قدراتهم في مجال مواجهتهم لعدوهم.
الحاصل فإن الانتفاضة، التي بدأت بشكل عفوي، واستمرت من دون سيطرة على شعاراتها وأشكالها، انتهت رسميا منذ أواخر العام 2005، مع توافق الفصائل الفلسطينية على التهدئة، وعلى الشروع بالانتخابات التشريعية، وضمن ذلك تمرير خطة الانسحاب الأحادي الشارونية، من قطاع غزة (+ أربع مستوطنات من الضفة).
وكان التحول السياسي الفلسطيني، المتمثّل بالانتقال من المفاوضة إلى الانتفاضة ومن التسوية مع إسرائيل إلى الصراع معها، قبل ستة أعوام، ارتكز على عدة فرضيات ومراهنات، أهمها: (1) الضغط على إسرائيل بالانتفاضة لاجبارها على التراجع عن محاولاتها فرض املاءاتها في عملية التسوية، ولاسيما بشأن التقرير بمستقبل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود.
وهي القضايا المطروحة على المرحلة الأخيرة من المفاوضات؛ بعد أن ثبت عقم الرهان على وسائل المفاوضة لوحدها؛ (2) الاحتجاج بوسائل الضغط على تهرب إسرائيل من استحقاقات المرحلة الانتقالية، في اتفاقات اوسلو، بما في ذلك محاولاتها خلق الوقائع التي تؤثر على مستقبل الأراضي المحتلة.
وفي المقدمة جهودها المتزايدة في مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وتعزيز بناء المستوطنات؛ (3) تقويض الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة، من خلال خلق الوقائع التي تصعّب حياة المستوطنين فيها، والتي تجعل من الوجود الاستيطاني، فيها، عبئا كبيرا على إسرائيل من النواحي: الأمنية والاقتصادية والسياسية؛ (4) محاولة خلق معادلة سياسية جديدة، في الصراع مع إسرائيل، ترتكز على امكان المزاوجة بين المفاوضة والانتفاضة، أي بين لغة الدبلوماسية والعنف، للخروج من مأزق عملية التسوية، التي باتت تشكل إحراجا كبيرا لمكانة السلطة الفلسطينية.
هكذا فإن القيادة الفلسطينية في تبنيها خيار الانتفاضة (سبتمبر2000)، كانت تتوخّى ان تنتزع بالقوة ما عجزت عنه بوسائل الدبلوماسية والمفاوضة؛ خصوصا بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2(يوليو2000).
وكانت تبتغي تحقيق غرضين في آن: أولهما، وضع حد لسياسة الإذعان للحسابات الإسرائيلية، وتجاوز الضغوط الدولية والإقليمية التي تفرض عليها ذلك؛ وثانيهما، إعادة الاعتبار لمكانتها في المجتمع الفلسطيني، الذي بات يتململ من إخفاق هذه القيادة في جلب التسوية، وفي بناء الكيان الفلسطيني.
الآن وبعد ستة أعوام من المواجهات الدامية والمدمرة، بات من الممكن تفحص مآل هذه الفرضيات والمراهنات، في الحسابات والمعادلات السياسية الاستراتيجية الخاصة بالعلاقات المستقبلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
الثابت أن إسرائيل، بنتيجة المناخات التي ولدتها الانتفاضة، لم تسلم للفلسطينيين، بل إنها على العكس من ذلك، استغلت هذه المناخات للتحرر من عملية التسوية وللتخلّص من اتفاقات أوسلو نهائيا؛ التي طالما اعتبرها اليمين الإسرائيلي بمثابة كارثة على إسرائيل.
وكما بات معروفا فإن إسرائيل، في ظل شارون، انتقلت من حيز التفاوض مع الفلسطينيين، حول التسوية، إلى حيز فرض املاءات الأمر الواقع عليهم، بطرحها خطة الانسحاب أحادي الطرف، من قطاع غزة وبعض مستوطنات الضفة الغربية.
الأنكى من ذلك أن الفلسطينيين ليس فقط لم يستطيعوا جلب إسرائيل للاتفاق على حل عادل ومناسب لقضايا المرحلة الأخيرة من المفاوضات، بل إنهم عجزوا حتى عن الحفاظ على المكاسب التي حققوها خلال المرحلة الانتقالية، والمتمثلة بقيام السلطة الفلسطينية، بمؤسساتها، ومرتكزاتها المختلفة.
حيث حرصت إسرائيل على تدمير البنى التحتية والاقتصادية وشلّ المؤسسات الفلسطينية، بقطاعاتها السياسية والاقتصادية والخدمية، كما استطاعت إضعاف صدقية القيادة الفلسطينية ومكانتها على الصعيدين الدولي والاقليمي.
أما بالنسبة للأنشطة الاستيطانية، فرغم تزايد القناعة لدى أغلبية الإسرائيليين بعدم جدواها، واعتبارها عبئا ثقيلا على إسرائيل، إلا أن البناء في المستوطنات استمر، وإن بوتيرة أقل من السابق.
كذلك فإن المستوطنات شهدت زيادة في أعداد المستوطنين القاطنين فيها، ولو بنسبة أقل من قبل؛ بحيث بلغ عدد المستوطنين القاطنين في مستوطنات الضفة حوالي 245 ألف إسرائيلي، برغم صعوبات الحياة الناجمة عن تداعيات الانتفاضة في مستوطنات الأراضي المحتلة.
وجدير بنا، في هذا المجال، ملاحظة ثلاثة ظواهر، كردة فعل على الانتفاضة، أولاهما، تتمثل ببروز ما بات يعرف باسم «النقاط الاستيطانية العشوائية»، والتي تزيد عن مئة نقطة تنتشر في التلال والتقاطعات الرئيسة والحيوية للفلسطينيين في الضفة الغربية؛ وثانيتهما، قيام إسرائيل ببناء جدار فاصل، بينها وبين الفلسطينيين، يقضم 40 بالمئة من أراضي الضفة الغربية.
ويحول التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، ويضعف من امكان قيام دولة فلسطينية ذات تواصل اقليمي؛ وثالثهما، ازدياد نفوذ المتطرفين في المستوطنات، حيث بات يغلب على قاطنيها النزعة الأيدلوجية القومية والدينية، المتطرفة؛ الأمر الذي جعل لوبي المستوطنات أحد أهم القوى الفاعلة في السياسة الإسرائيلية، إلى الدرجة التي بات فيها يهدد المستقبل السياسي لشارون، نفسه.
يبقى محاولة القيادة الفلسطينية الضغط على إسرائيل، بمعادلة المفاوضة والانتفاضة، فهذه المعادلة بحد ذاتها، لم تنجح، أولا، لأسباب تتعلق بغياب علاقات المؤسسة والنظام في الساحة الفلسطينية، الأمر الذي انعكس بضعف الموازنة بين هذين الجانبين بشكل ناجع وعدم النجاح في توظيف ذلك سياسيا.
وثانيا، لعدم التوافق بين القوى الفلسطينية على استراتيجية سياسية وميدانية مشتركة؛ وثالثا، بسبب إصرار إسرائيل على مواجهة الانتفاضة بأقصى قدر من العنف، بدعوى عدم إعطاء «جوائز» للإرهاب؛ ورابعا، بسبب تولد ظروف دولية غير مناسبة، بعد حدث 11 سبتمبر (2001)، والتداعيات الناجمة عن الحرب الدولية ضد الإرهاب، واحتلال العراق.
بالمحصلة، وبسبب كل المعطيات السابقة، فقد استطاعت إسرائيل فرض أجندتها هذه على الفاعلين الدوليين، من خلال إعطاء الأولوية في خطة «خريطة الطريق» لإصلاح الفلسطينيين لأوضاعهم، وترك طريق العنف، وتغيير قياداتهم، كشرط لعملية التسوية ولحقهم في تقرير المصير، وايضا من خلال التملص من هذه استحقاقات التسوية بطرح خطط الفصل الأحادي.
أيضا ثمة تداعيات أخرى للمواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، إذ أنها أعادت الصراع إلى مربعه الأول المتعلق بالصراع على الوجود، وأدت إلى تزايد نفوذ اليمين الإسرائيلي المتطرف، وأفول نفوذ القوى الإسرائيلية المعتدلة، كما أدت إلى كارثة حقيقية بالنسبة للأحوال الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين.
مع كل ذلك لا يمكن الاستنتاج، من ما تقدم، بأن الفلسطينيين لوحدهم يتحملون إخفاق فرضيات ومراهنات الانتفاضة، برغم من تحملهم مسؤولية كبيرة في ذلك، بسبب طريقتهم في إدارة أمورهم والفوضى السائدة في علاقاتهم وخطاباتهم وأشكال عملهم، فثمة مسؤولية كبيرة تقع أيضا على عاتق التطورات والتحولات الدولية والإقليمية التي حدثت، منذ الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة في سبتمبر 2001.
ومن ثم احتلال العراق، وهي تطورات خدمت إسرائيل كثيرا، في سعيها لإنهاك الفلسطينيين وكسر إرادتهم وإفشال مراهناتهم. كذلك لا يمكن الاستنتاج بأن جهد الانتفاضة، بما له وعليه، ذهب عبثا، فقد أدى إلى خلق تفاعلات هامة عند الإسرائيليين، حيث قوض لديهم فكرة استمرار الاحتلال، وأنهى أسطورة «إسرائيل الكبرى» وزعزع شرعية المستوطنات.
من ذلك فإن الفلسطينيين معنيون بتفحّص تجربة الانتفاضة (كما المفاوضة)، واستخلاص العبر المناسبة، خصوصا لجهة أن مشكلتهم لا تكمن في تحدي السياسات الإسرائيلية، فحسب، وإنما في قدرتهم على بناء أوضاعهم أيضا.
كاتب فلسطيني
