دخل مجلس الأمن مرحلة البحث عن السكرتير العام القادم للأمم المتحدة، الذي سيتولى المسؤولية في بداية العام الجديد، خلفاً للسكرتير الحالي السيد كوفي عنان، الذي تنتهي مدته في نهاية عام 2006، والذي ألقى خطابه الوداعي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 19 سبتمبر الجاري، مودعاً المنظمة الدولية ومضمناً ملاحظاته على أعمال المنظمة، وعلى الحالة العامة للعلاقات الدولية، وأبرز ما فيها:

غياب الحكم الرشيد، انتشار أسلحة الدمار الشامل، اليأس من نيل الحقوق، تحدي القوانين، وحقوق الإنسان، والشفافية، ويقول في النهاية مطالباً وبقوة على أهمية ترسيخ مسؤوليات الأمم المتحدة التي تتولى التعامل مع المشاكل بشكل جماعي، وهنا أسرد للقارئ تطورات مسؤوليات السكرتير العام.

أولاً: عاشت المنظمة منذ بدايتها وحتى نهاية القرن، وهي تعاني من صدام القطبين الذي شل عمل مجلس الأمن وأتاح للسكرتير العام أن يلعب الدور السياسي الذي لم يكن يتوقعه أحد من مهندسي ميثاق الأمم المتحدة.

كان الأول في اللائحة السيد تريجف لي ـ وزير خارجية النرويج الحرة خلال الحرب العالمية ـ وقضى وقته في بناء المنظمة وتطوير عملها، لكنه اصطدم بالاتحاد السوفييتي حول كوريا عندما أيد قرار مجلس الأمن بإرسال قوات لوقف غزو الشمال الشيوعي لشبه جزيرة كوريا، واستقال عام 1953 في جو ملبد بالتوتر.

جاء بعده همرشولد ـ وزير الدولة للشؤون الخارجية في السويد ـ الذي لم يرشح نفسه وإنما رشحته فرنسا وبريطانيا ووافق عليه الاتحاد السوفييتي.

لم يكن أحد من الدول الكبرى يتوقع أن يقدم همرشولد صورة عن رجل الدولة العالمي الذي جسده همرشولد بكفاءة وعمق فكري وشجاعة ومبادرة، كانت أولى المسؤوليات إعلان السفر إلى بكين في نهاية حرب كوريا للتفاوض لإطلاق سراح الطيارين الأميركيين، الذين أسقطت الصين طائرة التجسس التي تحملهم.

كان الشعور الأميركي بالغضب ووصل إلى التهديد بضرب الصين بالقنابل النووية، لكن همرشولد ذهب إلى هناك بإصرار ودون دعم ودخل في مفاوضات طويلة مع رئيس وزراء الصين المشهور ـ شوين لاي ـ الذي أعجب بالسكرتير العام وأيد مساعيه التي توجب إطلاق سراح الطيارين الأميركيين.

وبذلك تجاوز العالم تهديداً عسكرياً في شرق آسيا مع احتمالات انفجارات بأسلحة ذات دمار شامل، واستند همرشولد في مساعيه على المادة 99 من الميثاق التي تنص على (يحق للسكرتير العام إثارة أية مشكلة يراها وفق تقريره، مهددة للأمن والسلام العالميين)، كان همرشولد أول من لجأ إليها مدركاً صعوبة التوافق داخل مجلس الأمن.

ثانياً: مع هذا النجاح، تطور دور السكرتير العام بين المسؤول الإداري عن أعمال المنظمة إلى عنصر سياسي مؤثر في أحداث العالم، مع الالتزام بشروط هذا الدور وهي الإرادة الصلبة والحيادية المطلقة والشجاعة والالتزام بمبادئ الميثاق.

جاءت بعد حادثة الصين، مشكلة السويس التي سببها الغزو البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي لمصر عام 1956، الذي عجز مجلس عن التعامل معه بسبب معارضة بريطانيا وفرنسا، ودخل همرشولد في تعاون وثيق مع وزير خارجية كندا، المستر ليستر بيرسون، في تنظيم قوات طوارئ دولية وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا يوجد فيتو ـ وبناها همرشولد في أسبوع واحد .

حيث وصلت طلائعها إلى مصر بعد أسبوع فقط من وقف إطلاق النار، وبرز همرشولد في دور حاكم عام دولي في معالجته لأزمة السويس التي أدارها بنجاح أدت إلى انسحاب القوات البريطانية ـ الفرنسية ـ الإسرائيلية من الأراضي المصرية ومن غزة في بداية عام 1957.

ثالثاً: في عام 1960 انفجرت مشكلة الكونغو، مع تجزئتها بدعم من عناصر مرتزقة، تعامل معها همرشولد بحزم قوي، وأدار مباشرة قوات الأمم المتحدة التي قضت على الانفصال بالقوة، كانت القوات التي شكلت من مختلف الدول جيش الأمم المتحدة وقائدها همرشولد مباشرة.

ومع نجاح السكرتير العام في الدور السياسي المميز، أحدث هذا النجاح صداماً قوياً مع الجنرال ديغول في فرنسا، وخروتشوف في موسكو، كل منهما يتهم السكرتير العام بقيادة العالم دون إذن من مجلس الأمن، والتصرف بشكل معاكس لمصالح الدول الكبرى.

مات همرشولد في حادثة طائرة في أحداث الكونغو التي أدارها بنفسه، ونال دعماً عالمياً خاصة من الجمعية العامة، التي تتشكل أغلبيتها من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، من فقراء العالم الذين أحبهم همرشولد، وترك همرشولد قاعدة العمل لمن سيأتي بعده في إدارة شؤون ومصالح العالم والاستفادة السياسية من قدرة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام وفي فرض السلام.

رابعاً: جاء يوثانت بعده من بورما، وهو رجل متدين بوذي نظيف وعفيف وزاهد، تحاشى في عمله الصدام مع الدول الدائمة العضوية، ولم يستفد كثيراً من روح المبادرة التي فرضها همرشولد، ظل عشر سنوات ترافقه اتهامات الدول الغربية، خاصة واشنطن في عجزه عن التعامل القوي مع أحداث عام 1967 عندما قرر الرئيس المصري جمال عبدالناصر، سحب القوات الدولية التي بناها همرشولد من سيناء، دون أن يلجأ السكرتير العام لتفعيل المادة 99 من الميثاق، في طلب عقد جلسة لمجلس الأمن لبحث الوضع المتأزم بين مصر وإسرائيل.

وبدلاً من ذلك توجه إلى القاهرة التي أغلقت عليه أبواب النجاح وهو في باريس متجهاً إلى القاهرة، عندما أعلنت إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وبما لا يتفق مع التفاهم المصري ـ الأميركي ـ الإسرائيلي الذي استندت عليه الإدارة الأميركية في تحميل مصر مسؤوليات الانفجار.

أتذكر بأنني قدمت أوراق اعتمادي كسفير الكويت إلى يوثانت في صيف عام 1971، وجدته قلقاً وراغباً في ترك العمل، أضعفه المرض وأزعجته تجليات السياسة وقذارتها.

خامساً: جاء النمساوي فالدهايم الذي ظل عشر سنوات حاول أن يستفيد من تجارب همرشولد، لكن الدول الكبرى تعاملت معه بتحفظ خاصة الصين، ولم تسعفه واشنطن حول الشرق الأوسط، وخذلته إيران الثورة، في حادثة السفارة الأميركية، وسحب منه الرئيس السادات ملف الشرق الأوسط، تعرفت عليه شخصياً وبشكل مباشر عندما كنت أمثل الكويت في مجلس الأمن، كان يجمع بين الحذر والمبادرة.

وكان شبح الدول الكبرى يجلس على كتفيه مراقباً خطواته، خرج فالدهايم من الأمم المتحدة بعد معارضة قوية من الصين وجاء من بيرو السيد دي كويلار الذي عاش فصل الغزو العراقي ضد دولة الكويت وتعامل معه بحزم وحيادية وبالتزام بمبادئ الميثاق، ودعم قوي لدولة الكويت.

وظل دي كويلار يعاني من إسقاطات الحرب العراقية ـ الأميركية، وفي وحشية الأطراف فيها. في مذكراته يشير إلى العنجهية التي قابله بها صدام حسين في يوم 13 يناير 1991، حاملاً آخر أصوات العقل بالانسحاب، وفي تلك المذكرات أشار إلى إزعاجات السيد ياسر عرفات، الذي كان يزور بغداد، وفي نفس الوقت لرفع معنويات صدام حسين، ويشير دي كويلار إلى برودة دم عرفات عندما أصر على لقائه في بغداد ليثير معه سوء معاملة الفلسطينيين في الكويت.

سادساً: نحن الآن في انتظار الأمين العام القادم، ونلاحظ بأن مجلس الأمن المقصود ـ الدول الكبرى ـ ما زالت مستمرة في الطريقة القديمة في الترشيحات، كان من المفروض تشكيل لجنة من الدول الكبرى لمقابلة المرشحين، والاستماع إلى برنامج عملهم، والتنقيب عن صفاتهم دون الالتزام بقاعدة التدوير، فالجوهر المطلوب هو الكفاءة المتوهجة، مع الأخذ في الاعتبار الحقائق التي يعيشها العالم.

وأول المشاكل في العالم الإرهاب، حقوق الإنسان وحمايته من أنظمة الإبادة، كما وجدت في رواندا والآن في مشكلة دارفور، وحق التدخل للحماية الإنسانية، كما نراها في حالة صدام حسين في العراق وطالبان وكوسوفو، وعدم أهلية النظام في بعض الدول مثل بورما وحقوق الإنسان.

هناك بعض المقترحات التي تدور حول مركز الأمين العام منها أن تكون الفترة سبع سنوات دون تجديد، ويترك السكرتير العام السيد كوفي أنان الأمم المتحدة وله سجل من الإنجازات أبرزها مقترح إنشاء هيئة ترسيخ السلام تابعة للأمم المتحدة من أجل معالجة بؤر التوتر بشكل مباشر مستفيدة من تصميم الأسرة الدولية على تجاوزها.

وكذلك اهتمامات السيد أنان بالفقر وبالبطالة وانتشار الأمراض.. يقول في خطابه الوداعي: «وبصفتي ثاني شخص من إفريقيا يشغل منصب الأمين العام ـ شعرت بأن هذه التحديات الثلاثة كلها ـ تحدي الأمن، وتحدي التنمية، وتحدي حقوق الإنسان وسيادة القانون ـ تعنيني بشكل مباشر».

هذه تركة يريد السيد كوفي أنان أن تعطيها الأسرة الدولية الاهتمام الأكبر.. وسنرى من هو الذي سيرفع الصخور إلى قمة الجبل، كما يصف أنان مهمة الأمين العام.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com