إن من الأمور التي يصعب على الغرب، خاصة أميركا فهمها، مدى ما تتمتع به منظمات الإسلام السياسي الأصولي من قدرة على مواصلة المقاومة، وذلك على الرغم مما قد تتصف به من ضعف عسكري وما قد يصيبها من هزائم سياسية وغير سياسية.

إذ على الرغم من سقوط نظام طالبان في أفغانستان واغتيال العديد من قيادات حماس واعتقال الآلاف من كوادرها في فلسطين على سبيل المثال، فإن قوى المقاومة الإسلامية في البلدين واصلت عملياتها ضد قوى الاحتلال الأميركية والإسرائيلية، ولم تقنعها الهزائم العسكرية ولا الخسائر البشرية والمادية الكبيرة على القبول بالواقع والرضوخ لاملاءات الطرف المنتصر.

ويعود السبب في ذلك إلى اختلاف بنية الثقافة الإسلامية عن الثقافة الغربية بوجه عام، وإلى اختلاف المعتقدات الدينية التي يؤمن بها المسلم الأصولي عن تلك التي يؤمن بها غيره من الناس، وذلك إلى جانب تفاوت أهمية الأهداف التي يسعى كل طرف لتحقيقها في حياته.

تقوم ثقافة المجتمع الغربي عامة والأميركي خاصة على مفهومين متكاملين، وإن كانا متناقضين على ما يبدو للمراقب العادي: تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر. وبينما يحث المفهوم الأول على تعظيم الفوائد حين يكون الكسب ممكناً، يطالب الثاني بتقليل حجم الخسائر حين تكون الخسارة حتمية. وهذه مفاهيم تجارية بحتة، ترى أنه من غير الممكن البقاء في ساحة العمل الاقتصادي أو غير الاقتصادي دون تحقيق مكاسب مادية وغير مادية أحياناً، ودون العمل على تجنب الخسائر بقدر الإمكان.

وهذا يعني أن الموقف الغربي من التعامل مع الآخر عامة ومن الصراع معه خاصة يحتم النظر إلى الأمور من زاوية مصلحية واقعية، بعيداً عن الاعتبارات المبدئية والمواقف الخلقية والدينية. ولذلك لاحظنا مدى تمسك أميركا بمواصلة القتال في العراق في عام 2003، حين لم تواجه بمقاومة عسكرية تذكر، وسرعة هروبها من لبنان في عام 1983 بعد تعرض قوات البحرية لعملية انتحارية.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن النظرة الغربية المصلحية هذه لم تكن موجودة قبل وقوع الثورة الصناعية حين كان المجتمع الغربي مجتمعاً زراعياً يعيش أفراده في تجمعات صغيرة في قرى نائية، وكانت متطلبات البقاء والعيش في تلك القرى تحتم تعاون وتكافل أفراد المجتمع الواحد.

إلا أن تحول المجتمع الغربي من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي بدءاً من أواسط القرن الثامن عشر كان سبباً في حدوث تحول كبير في الثقافة الغربية عامة، بعيداً عن القيم والمبادئ ونحو الواقعية والمصالح.

وهذا بدوره جعل من السهل على الغرب حل خلافاته بالحوار وإيجاد حلول وسط، وترك المجتمعات الزراعية ذات النزعة الدينية والمواقف المبدئية عرضة لصراعات عقائدية دامية يصعب حلها أو حتى التحكم فيها وتقليل أعداد ضحاياها.

تنقسم مسببات الصراع بين الأفراد والجماعات والدول عامة إلى مسببات ذات أبعاد مصلحية، وأخرى ذات جذور قيمية أو مبدئية، وذلك على الرغم من إمكانية وجود مسببات أخرى تجمع بين الجذور القيمية والأبعاد المصلحية. وتشير نظريات حل النزاع وتجارب الدول المختلفة إلى أن من السهل غالباً حل الخلافات ذات الأبعاد المصلحية.

وأن من الصعب عادة حل الخلافات ذات الجذور القيمية والمبدئية. فعلى سبيل المثال، يعتبر النزاع حول حقوق مشتركة في مياه أحد الأنهار ذا طبيعة مصلحية، مما يجعل من السهل حله من خلال اتفاق ينص على توزيع المياه بين الطرفين، أي التوصل لحل وسط يحقق لكل طرف من أطراف النزاع بعض ما كان يصبو إليه.

أما الخلاف حول الحدود ومتطلبات السيادة الوطنية فيعتبر نزاعاً ذا طبيعة قيمية مبدئية، مما يجعل من غير الممكن إيجاد حل وسط لإنهائه، ويفرض على كل طرف من أطراف النزاع الاعتراف بحق الآخر في السيادة على أراضيه.

وحيث أن منظمات الإسلام السياسي الأصولي تنطلق من إيمان قوي بمبادئ دينية ملزمة، وتتمسك بقيم يصعب التنازل عنها، فإن كل نزاع تدخل تلك المنظمات طرفاً فيه يصبح، وبغض النظر عن مسبباته، نزاعاً مبدئياً يصعب حله دون تحقيق الأهداف التي قام من أجلها.

من ناحية أخرى، لا يمكن نظرياً هزيمة منظمات الإسلام السياسي الأصولي، وذلك لأنها لا تدافع عن شيء مادي محدد يجعل هزيمتها ممكنة في حالة خسارته. ان الديانات عموماً، والإسلام خصوصاً لا يعد المؤمن بأشياء كثيرة على هذه الأرض، بل يقتصر وعوده السخية على الجنة التي لا يمكن الوصول إليها قبل موت الإنسان. وهذا يجعل الحركات الأصولية، وذلك خلافاً للحكومات المنتخبة، خارج حدود المساءلة الشعبية.

professorrabie@yahoo.com