مضت ستة عقود على استقلال لبنان. مدة أكثر من كافية لبناء وطنه ودولته. لكن هذا البناء تعذر انجازه. صيغة النظام الطائفي اللبناني حالت دون ذلك. فهي ليست فقط لا تختزن إمكانيات التطوير. بل إنها تمنعه أيضا، فكان أن بقي لبنان مشروع وطن؛ محجور عليه وممنوع من أن يستكمل صيرورته.

كما كان أن قامت دولته علي أساس المحاصصة الطائفية، الحصيلة كانت نشوء كيان سريع العطب والولاء الأول فيه للطائفة، المواطنة اقتصرت فقط على الجنسية، ومنذ ولادته حكمته توازنات هشة لا تحتمل هبّة ريح محلية من غير أن تهتز، فكيف بها أن تحتمل هزات منطقته العربية، الواقعة على خط أعنف الزلازل، الأمنية والسياسية في العالم.

من هنا كانت الحروب والصراعات شبه الدورية التي عصفت به وكادت أحياناً، تطيح بمقوماته، كان مسرحاً لحروب أهلية، وأخرى بالوكالة. ناهيك بالحروب العدوانية الإسرائيلية عليه، ركاكة تركيبية استولدت هذه الدوامة من الاضطرابات الداخلية والاستباحات الخارجية، خلطة ثقيلة هدّت حيل البلد وأنهكت أوضاعه.

زاد الطين بلّة أن استفحل سوس التطويف، نخر عظم الحياة السياسية اللبنانية. ارتفع منسوب الاستقطاب الفئوي الطائفي، زاد التباعد، وكذلك الهواجس والتوجسات، وبالرغم من الانكشاف المزمن للصيغة وانفضاح وضعها المهلهل البالي، لم يقو لبنان على توليد البديل.

من كان يفترض به النهوض بمثل هذا البديل، وقعت قواه في الارتباك والالتباس. كما وقعت في لعبة التحالفات، التي أدت بها إلى الانصياع وركوب الأوهام.

وخلال الحرب تعرّض لعمليات تفكيك وتذويب معروفة، في المقابل القوى الطائفية المعتاشة على المحاصصة، كان من الطبيعي أن تتشبث بالمعادلة القائمة، هي أصلاً عاجزة عن الإصلاح ناهيك بالتغيير والتطوير، كل همها انحصر بإعادة إنتاج الصيغة وتلميعها، لتمديد أجلها وتطويل عمرها، لذا بقي الوضع قائماً بالتلزيق. عند أقل ارتفاع في درجة الحرارة السياسية، الداخلية أو الإقليمية، كان الصمغ يميع ويهدد بتفكيك هذا الوضع.

بيد أن هذا الأخير انطوى على مفارقة ايجابية شكلت صمام أمانه. ذلك أن الرابط الداخلي لم يبلغ مرة نقطة التلاشي ولا الأمور بلغت حالة الانهيار والانفراط التامين.

الأمر الذي يشي أن هناك في ثنايا الحالة اللبنانية ـ بالرغم من كل علامتها ـ خميرة وطنية جامعة، ولو أن تعبيراتها بقيت مكبوتة وفعاليتها ملجومة ومغلول على أمرها، بحكم سطوة الاستقطاب الطائفي وأرجحية كفته. بقيت معتقلة في سجن الطائفية الطاغية على الحياة السياسية في البلد، لكنها كانت تطلّ بصورة عفوية زاخمة، بين الفينة والأخرى.

ففي كل مرة كان لبنان يمرّ في محطات فارقة، كانت هذه الخميرة تكسر أبواب سجنها وتخرج لتعلن عن نفسها؛ على شكل صحوة وطنية واعدة، المؤسف أنه ولا مرة جرى التقاط مثل هذه الصحوة. المحاولات التي حصلت كانت قاصرة وبائسة.

أو أنها جوبهت بعواصف طائفية قضت عليها في مهدها. وبذلك تبددت أكثر من فرصة ثمينة، وفرتها الظروف لإطلاق ورشة بناء الدولة ـ الوطن وبدء العدّ العكسي للخلاص من دولة المشاع التي تتقاسمها الطوائف؛ وإحالتها على التقاعد النهائي.

تبددت الفرصة التي أتاحها «اتفاق الطائف»، الأسباب والقوى والجهة، التي عطّلت تنفيذه معروفة. ثم جاءت فرصة أخرى لا تتكرر، فرصة التحرير عام 2000، لكن حالة الالتفاف حول المقاومة والاعتزاز الوطني؛ التي نشأت يومذاك، سرعان ما افترسها الحراك الطائفي. عام 2005 جاء اغتيال الرئيس الحريري ليخلق حالة وطنية كسرت، بصورة عفوية، حدود الطوائف ودويلاتها، لاحت في الأفق إمكانية بزوغ فجر جديد.

لكن صراعات تلك اللحظة وارتباك قياداتها الضعيفة، فضلاً عن التأجيج الطائفي؛ كله أضاع الفرصة ودفنها تحت أنقاض الخلافات المعروفة. ثم عادت وبرزت فرصة مماثلة، مع وقوع حرب 13/7 الأخيرة. خلال المواجهة تجلّت عوامل الوحدة الوطنية، على أروع ما يكون:

تضامن شامل مناعة قوية ضد الفتنة، صمود داخلي إلى جانب صمود ميداني بطولي، كل المطلوب كان التقاط اللحظة السانحة، لتحقيق انعطافة وطنية نوعية. ما حصل كان النقيض. فما أن توقف إطلاق النار حتى اشتعلت نار الفئوية ـ الطائفية التي تكاد تحرق الأمل بأي عملية استنهاض وطني جامع.

في الواقع تدهورت الأمور على نحو مقلق. الخطاب هبط إلى أدنى درجات الإسفاف. الحوار تحوّل إلى تراشق وتقاذف بقنابل الاتهامات وصواريخ التخوين. انتقل البلد من حرب مع إسرائيل إلى حروب سياسية داخلية تنذر بعظائم الأمور.

على هذه الخلفية صار من الواضح أن الوضع اللبناني مدمن على خصلتين خطيرتين: تفقيس الأزمات الداخلية، وتضييع الفرص المختزنة لإمكانية وضعه على طريق الخروج من شرنقة الطائفية الخانقة، إدمان نابع من عطب جوهري:

الخلاف على أي لبنان يريده اللبنانيون كل طائفة لها لبنانها أو هي تريده مفصّلاً على قياساتها، مما أدى إلى دخول عطب آخر على المعادلة؛ فزاد من هشاستها، كل طائفة لجأت إلى الاستنجاد بالخارج، الإقليمي أو الدولي، وكل خارج لعب هذا الدور، عمد إلى تسخير الساحة اللبنانية، لحساباته. فصار الداخل أسير التعويل على الخارج. كما استمرأ الخارج استضعاف واستباحة، هذا الداخل دوامة مقفلة، كانت رافداً من روافد الأزمات المتعاقبة على البلد.

الآن وصلت هذه المسيرة إلى مأزقها الأخير، البلد يعيش في غرفة العناية الفائقة. فهو مدوَّل ومدمَّر ومتسوِّل ومديون ومشطور؛ كما لم يكن عليه في أي وقت مضى. الصيغة الموروثة انفجرت من الداخل، المتمسكون بها يحاولون تجديدها، بطلاء شعارات وطروحات، غير قادرة على نفخ الحياة فيها:

مثل مقولة «العيش المشترك» وبدعة «الديمقراطية التوافقية» ومطلب «ضرورة احتكار الدولة للسلاح والقرار»®. وغيرها. في المقابل، الفريق الآخر، لا يقوى على طرح البديل الجذري، تركيبته لا تسمح بذلك. اكتفى بطرح شعار إقامة «الدولة القوية» عنوان يطغى عليه الطابع الأمني الدفاعي فقط؛ ومن دون وضع تصوّر لنظام هذه الدولة.

لقد سبق أن حاول الرئيس فؤاد شهاب، المشهود له بشفافيته ووطنيته، بناء مثل هذه الدولة؛ من ضمن النظام الطائفي القائم. لكن هذا الأخير سرعان ما انقضّ على التجربة، فور انتهاء ولاية الرئيس شهاب، ليعود الوضع إلى سابق عهده، العلّة في النظام الذي ترتكز السلطة عليه في لبنان. وحده «اتفاق الطائف» لحظ هذا العطب ولو بصورة مواربة ـ عندما حدّد آليات تؤدي في النهاية إلى الخلاص من الطائفية.

اليوم تبدو اللحظة مواتية وبامتياز للعودة إلى هذا الاتفاق. بل هي عودة إجبارية؛ لاعتماده كجسر عبور. فهو سبق وانعقد حوله إجماع واسع. بقي من دون تطبيق لظروف معروفة. ثم إن البدائل المتداولة، ملتبسة وعبثية وهي موضع خلاف عميق، فلبنان لا يستقيم سلخه عن منطقته وقضاياها.

كذلك لا يقوى لبنان على حمل هذه القضايا علي كتفيه، لوحده، على الأقل لم يعد يحتمل ذلك. وفي هذه الظروف، وحده «الطائف» قادر على توفير المخرج من الأزمة الراهنة؛ كما من المأزق التاريخي للنظام الطائفي.

لقد حان الوقت لوضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ. وعامل الوقت ضاغط حرب التراشق على أشدها بين الأطراف. والدعوات للتهدئة وتغليب لغة الحوار، متعثرة. في حين صارت السلطة كمن يمشي على العكازّ.

والبلد صار في حالة انعدام الوزن. ثمة حالة من الانتفاخ في «الأنا» السياسية اللبنانية، تهدد بالوصول إلى نقطة الانكسار. وهذه خاتمة بالتأكيد لايشتهيها ولا يسعى إليها أي من الأطراف اللبنانية؛ لأن معها لن يبقى شيء للاختلاف حوله.

كاتب لبناني