في الأيام الأخيرة حصلت تطورات سياسية ملفتة في العراق، بعضها كان في حدود المقرر، ولو انه تأخر أوانه، والبعض الآخر كان في حدود غير المستبعد ولو المسكوت عنه.

الصنف الأول يندرج في خانة الايجابي بالرغم من الملابسات المحيطة بعامل الزمن المتعلق به، اما الثاني فقد اثار حوله علامات استفهام وكثيرا من اللغط، نظراً لحساسية الموضوع. وبذلك اختلطت الأمور، في ساحة، لا يزال التدهور الأمني العامل المهيمن فيها، وبات المشهد أكثر تشوشا.

البرلمان العراقي وافق على تأليف لجنة لتعديل الدستور وكان هذا الأمر قد سبق وتقرر قبل الانتخابات التي جرت أواخر العام الماضي تحقق الوعد بإعادة النظر بالدستور، الذي لاقى اعتراضات بعض الأطراف لكنه تأخر.

وأكثر من ذلك ان امام اللجنة سنة لترفع مقترحاتها، ثم يتم عرضها على استفتاء عام، ليرسو الدستور بعد ذلك على صيغة نهائية علماً بان صياغة الدستور الحالي المطلوب تعديله، حصلت في حوالي ثلاثة أشهر فقط!

مسألة خلافية أخرى، تم التوصل إلى حل وسط أيضا بشأنها وهي المتعلقة بالفيدرالية. فقد تقرر ان لا يعمل بقانون الأقاليم «إلا بعد 18 شهراً من تاريخ اقراره في مجلس النواب».

الواضح في الموضوعين ان المخرج كان بشراء الوقت فكلا الأمرين صار عملياً في حكم المؤجل، المراهنة هنا على الزمن والتطورات وهذا يدل على عمق الخلاف، في هذا الخصوص.

في المقابل، قال الرئيس العراقي، جلال الطالباني، في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية؛ انه يدعو إلى تواجد عسكري أميركي طويل الأمد مع قاعدتين جويتين، في العراق. أثار كلامه ردود فعل رافضة من جانب جهات وقوى عراقية مختلفة. فهو برر دعوته بالحاجة إلى مثل هذه القوة من أجل منع «التدخلات الأجنبية» في شؤون العراق. لكن طرح هذا الموضوع، جاء على خلفية السجال العراقي الدائر منذ فترة، حول وجوب جدولة الانسحاب الأميركي من البلد.

وبالتالي كان من الطبيعي ان يؤدي ذلك إلى احترام الجدل السياسي الداخلي؛ الذي لا تنقصه سخونة؛ لا سيما وانه يحصل في ظرف بلغ فيه العنف الدموي حداً من الانفلات لم يعرفه من قبل. فالمعدل اليومي صار يتجاوز المئة قتيل على الأقل.

لا شك أن أية حلحلة سياسية، حول الملفات الكبيرة، تمثل خطوة ايجابية وتراكم الخطوات ولو ببطء، لا بد وان يؤدي إلى كبح جماح العنف المرعب. ففي النهاية، محنة العراق سياسية، الحلول والخطط الأمنية ثبت، باعتراف المسؤولين عنها، أنها غير كافية، وها هو التقرير الأخير للاستخبارات الأميركية يؤكد ذلك.

بل هو يحذر من ارتفاع درجة العنف بسبب الاختلال. طبعا وحده الرئيس بوش ونائبه تشيني لا يأخذان بهذه الخلاصة. لا يزال كلاهما يتحدث عن الانجازات الإيجابية والديمقراطية في العراق؛ منذ الاحتلال!

في حين راح رئيس الحكومة، نوري المالكي، يحذر من تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات» يعني هو يحذر من خطر ضياع البلد. وكم مرة تردد مثل هذا التحذير ولا يزال؛ سواء من خلال الإشارة إلى حرب أهلية شاملة أم من خلال مخاطر التقسيم.

الصورة قاتمة، في العراق هي بحاجة إلى أكثر من خطوات نصفية، وبالتحديد إلى الإسراع في عقد مؤتمر المصالحة، الذي تكرر تأجيله، مع أنه أولوية ضاغطة عند هذا المفصل الحرج من تاريخ العراق.