مجموعة من أعضاء الكونغرس الأميركي تدفع بمشروع قانون إلى مجلس النواب لمعاقبة الشركات العالمية التي تتعامل مع السودان.

هذه أحدث الإفادات في سياق الحملة العالمية الهستيرية بشأن دارفور التي تتزعمها الولايات المتحدة، والأمر يثير دهشة كبيرة، فهل أصبحت دارفور قضية العصر ذات الأولوية العليا التي تتهدد السلام العالمي لتطغى على القضية الفلسطينية؟

خلال أسبوع واحد فقط كانت دارفور القاسم المشترك لتطورات متنوعة يأخذ بعضها برقاب البعض.. خرجت مظاهرات في نيويورك ولندن وبروكسل بترتيب من الحركة اليهودية العالمية. ومن إسرائيل أصدرت «مؤسسة نصب ضحايا محرقة اليهود» بياناً قوياً دعت فيه المجتمع الدولي إلى التحرك ضد «الإبادة الجماعية» في إقليم دارفور.

وفي لندن ظهر توني بلير مرتين ـ بفارق بضعة أيام ـ ليعرض في الأولى «مبادرة جديدة» حول دارفور، وليدعو في الثانية إلى عقد «قمة عالمية» بهدف «تخفيف الأزمة في إقليم دارفور «الذي يمزقه العنف».

وتزامن ظهور بلير في المرة الأولى مع ظهور جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث ألقى خطاباً أعلن فيه أن على الأمم المتحدة «أن تتحرك» إذا استمرت الحكومة السودانية في معارضة نشر قوات دولية في دارفور.

«مصداقية الأمم المتحدة في خطر بسبب دارفور»®. هكذا أطلق بوش صيحة درامية وكأنه يقوم بدور البطولة في مسرحية شكسبيرية، وترددت أصداء صيحة بوش في مقر الاتحاد الأوروبي، حيث حض الناطق باسم المجموعة حكومة السودان على التخلي عن معارضتها.

وفي هذه الأثناء عقد المتحدث باسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مؤتمراً صحافياً في جنيف ليوجه اتهاماً إلى الجيش السوداني بإلقاء قنابل على قرى دارفورية.

ولم تخل هذه النقلات من جانب «فني» فقد قام ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة جون بولتون بترتيب جلسة لأعضاء مجلس الأمن الدولي استمعوا خلالها إلى خطب بلاغية من المغني البريطاني آلتون جون ومغني الروك الأيرلندي بوب جيلدوف وممثلة هوليوود مايا فارو.

وبينما لا أستطيع أن أؤكد تماماً أن نزلاء مخيمات النازحين من أهالي دارفور حرصوا على الاستماع إلى هذه الشخصيات الفنية الغربية فإنني أيضاً لا أدري إن كان جون وجيلدوف وفارو يعرفون أين يقع إقليم دارفور.

الآن تأتي أحدث الإفادات.. خطوة مبدئية قانونية على طريقة معاقبة شركات عالمية (غير أميركية) تتعامل تجارياً مع السودان.

لقد أعدت بالفعل قائمة بأسماء شركات تبيع السودان عتاداً عسكرياً وتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام كنظم الرادار وشركات تمارس تعاملها في مجالات النفط والتعدين. ومن بين هذه الشركات مؤسسة البترول الكويتية، وسيمنس الألمانية للإلكترونيات وآلستوم الفرنسية لمعدات النقل وتوليد الطاقة.

وبالطبع فإن هذا الزخم الدبلوماسي والدعائي والاقتصادي يثير أسئلة مريبة: هل تعتبر «أزمة دارفور» من منظور السلام العالمي أهم من قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي.

وإذا كان الهدف من الحملة الأميركية هو إجبار الحكومة السودانية على قبول «قوة دولية» لتنتشر في دارفور، أليس الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة هو الأحوج إلى قوة عسكرية دولية لحمايته من هجمات إسرائيلية تجري يومياً من البر والجو؟

أجد.. هناك أجندة أميركية خفية تجاه أزمة دارفور خاصة مع دخول الحركة اليهودية العالمية على الخط، ويوماً ما ستضطر إدارة بوش إلى كشف هذه الأجندة.