في العهود الغابرة والبائدة، وحتى في العهد الحديث عبر دول العالم النامية، كان رأي أصحاب السلطة هو الرأي الأوحد المسيطر. استخدمت الآراء الأخرى، إن سُمح لها بالبقاء حية، لدعم رأي النظام الحاكم وتقويته وإظهار سداده.

الإعلام الحكومي والأهلي متوحّد حول الرأي الأوحد ويُبث للجماهير على مدار الساعة ممزوجاً بالشعارات المزخرفة والموسيقى والأغاني المؤثرة من أجل تأكيد وحدة مسيرة الشعب خلف قيادته نحو الانتصار والأمان والسيادة؛ يمجّد ذلك الإعلام كل خطوة يقوم بها زعيم الأمة الذي غالباً ما يكون وحيداً أوحداً طيلة عقود طويلة من الزمن.

حديثاً دخلت ظاهرة البحث والتنقيب عن الرأي الآخر وإظهاره على مسرح الحوادث وتخصصت بنشره ودعمه وسائل إعلام تعتمد أكثر التقنيات العصرية تقدماً. مثّل ذلك بداية النهاية لعصور الاستبداد الفكري والإعلامي وانتهت أيام الرأي الواحد القويم المؤيَّد عادة بفتاوى من علماء وقضاة يعيّنهم سلاطين الرأي الواحد.

لكن المراقب لسير تطور ظهور وتقديم الرأي الآخر في وسائل الإعلام يرى أن هنالك تراجعاً ملحوظاً في ذلك الاتجاه. في وسائل الإعلام تلك عادت أيام نتائج الاستفتاء في التصويت لتتخطى الحواجز وتصل إلى نسب أرقام شبيهة بالأرقام التي عادة ما كانت تناط بشعبية الزعماء الخالدين المخلدين، أي 90% فما فوق.

على أصحاب الرأي من فئة 10% فما دون أن يصارعوا لإقناع أنصار الرأي الواحد الذين لا يزالون يشكلون القسم الأكبر من الشعب. لا تزال وسائل الإعلام وكثير من الجماهير المصغية لها لا تعي هدف نشر الديمقراطية الحقيقية بين الشعوب ألا وهو إفساح المجال أمام الآراء الأخرى المتداولة بين الأفراد والجماعات، كي تظهر إلى العلن ويوضع ما أمكن منها على محك التجربة في سبيل خدمة الوطن وأبنائه.

في الدول المتقدمة ديمقراطيا مثل الهند وبعض دول أوروبا تحكم المعارضة على أرض الواقع أكثر من الحزب الحاكم حين يجد الأخير نفسه أمام سيل أو وابل من الانتقادات والتصحيحات في مسار الحكم بسبب حرص المعارضة على إظهار مثالب وأخطاء تلك الحكومة.

ينفع ذلك بشكل أكثر وضوحاً حين وصول صانعي القرار في الدولة إلى مفترق طرق مؤدّ إلى أزمات سياسية أو اقتصادية أو إدارية؛ حينها تتعاون الحكومة والمعارضة بشكل أو بآخر للتصدي لتلك الأزمات والكوارث.

إذا ما تهوَّر طرف في الرأي اتجاه وضع حل لمشكلة قابلته حكمة وتعقل من الجانب الآخر، ليتوصل الجميع بعد مناقشات موسعة تُتبادل فيها كافة الآراء المطروحة يليها التوصل إلى صيغة حل مشتركة مقبولة لدى الأطراف المختلفة من شأنها تخفيف حدة الأزمات الطارئة وتبعاتها.

إذا ما تتبعنا مسار الرأي والرأي الآخر لنظام ديمقراطي مرموق لنجد أن الرأي والرأي الآخر يحتضنان خط الاستقامة المفترض بشكل لولبي أو حلزوني يتسابق فيها الرأيان على الوصول إلى المسار الأكثر صواباً وسداداً.

أضاف الانتشار والتقدم في طرق ووسائل الإعلام حاجة ماسة لإظهار الرأي الآخر ولو من قبيل ملء الفراغ القاتل لوسائل الإعلام تلك. هنالك أمثلة كثيرة في عناوين برامج وسائل الإعلام تلك مثل «رأي الناس» و«رأي الشارع» و«بصراحة» و«الاتجاه الآخر» و«قضية ورأي» و«مقابلة خاصة» وضيف أو «ضيوف حلقة» و«منبر المشاهدين» .

وهنالك من البرامج الأجنبية ما له من أسماء وعناوين وأهداف مرادفة. ذلك ما فتح الباب على مصراعيه لإيصال أصحاب الآراء المغلوبين على أمرهم سابقاً إلى الطبقة الحاكمة والعليا ممهدة الطريق لتغييرات في أساليب وطرق الحكم بطريقة سلسة وسلمية.

وجد المتهافتون على السلطة ضالتهم في وسائل الإعلام؛ بات احترام الرأي الآخر في خطر. من الصعوبة بمكان إيجاد وسيلة إعلامية عصرية تحترم الرأي الآخر بسبب تبنيها مالياً وسياسياً وفكرياً وثقافياً من جهة خارجية وداخلية لها رأيها الأوحد. فقدت وسائل الإعلام تلك، من حيث تدري ولا تدري، حيادها الإعلامي وأصبح جمهورها المتمسك بمتابعتها أول ضحاياها.

تبث وسائل الإعلام الملتزمة بخط معين حديثاً عن الرأي الآخر محاولة الاستفادة منه في تدعيم التزامها بالجهة المؤسِّسة أو الداعمة لها دون أن تأخذ بالرأي الآخر. ما أن يُؤتى بأصحاب الرأي الآخر إلى تلك المؤسسة حتى يبادرون إلى التخلي عن رأيهم الآخر ويلجأون إلى تمجيد خط رأي تلك المؤسسة، لأسباب أغلبها مادية مالية أو للمجاملة بكل بساطة. لا مكان لإعلامي أو سياسي محايد في هذا العالم وإن زعم ذلك أمام عيون الأشهاد.

تؤثر حالة الجماهير النفسية وخلفيتها الثقافية وتعاطفها مع قضية ما على طريقة وأسلوب بث الرأي والرأي الآخر وما يرافقه من أخبار وبرامج وآراء وأفكار المحللين وأصحاب الأقلام المصاحبة.

مثال صارخ على ذلك فإن هنالك تناقضا واضحا بين ما تبثه وسائل الإعلام الغربية عن الأخبار الشرق أوسطية وبين ما تبثه وسائل الإعلام العربية عن نفس تلك الأخبار والحوادث؛ لا غرابة في ذلك فإن تأثير ثقافة الجمهور واتجاه عواطفه وخلفية المراسلين الثقافية القريبة منه تجعل هنالك شبه تنسيق تلقائي بين الطرفين في كيفية بث الأخبار والانتقائية في استضافة المحللين الذين يؤيدون ذلك الرأي أو الرأي الآخر.

هنالك من وسائل الإعلام من يتحايل على الحقيقة بأن يستضيف مدافعين عن الرأيين ويحاول إظهار مصداقية رأي على حساب رأي آخر بطريقة منحازة في إدارة النقاش تنتقص من رأي لصالح الآخر، في ذلك يُمارس الكثير من اللعب والضحك على لحى وذقون المشاهدين.

بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مالت موازين وسائل الإعلام دون استثناء تقريباً باتجاه الرأي الواحد وتم تغييب أو طمس أو حتى قتل الرأي الآخر. منذ البداية أعلن سيد البيت الأبيض «جورج دبليو بوش»، أن من ليس معه في الحرب على ما أسماه الإرهاب فهو ضده. أفراداً وجماعات ودولاً!

من باستطاعته أن يقف ضد الإدارة الأميركية؟! سياسياً واقتصادياً وإعلامياً ومادياً ومعنوياً. ومن أجل قتل الرأي الآخر تخصصت مراكز أبحاث ودراسات ووكالات تجسس متخصصة لمعرفة أصحاب الرأي الآخر ووضعهم على قوائم تسهل ملاحقتهم في أوطانهم وعلى حدود ومعابر الدول خاصة حدود ومعابر الولايات المتحدة الأميركية.

سيواجه أصحاب الرأي المعارض لحروب بوش على الإرهاب الطرد من وظائفهم أو الملاحقة من حكوماتهم أو حتى الاعتقال في أحد المعتقلات السرية الأميركية المنتشرة عبر دول العالم ومنها الدول التي تنشد احترام حرية الرأي الآخر.

لدعم المجهود الحربي الأميركي على الإرهاب العالمي تحولت معظم برامج وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية إلى مكاتب ترجمة للغة بيانات دوائر البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية إلى لغات الأمم الأخرى المختلفة؛ أصبح جلها من أنصار الرأي الأوحد.

لا يزال الوقت مبكراً على حكومات ودول وشعوب العالم حتى تصبح ظاهرة احترام الرأي الآخر تحل بشكل طبيعي محل التفرد بالرأي الواحد. في هذا الصدد لا يتأتى احترام الرأي الآخر من طول الإصغاء لوسائل الإعلام المختلفة بل يحتاج إلى تنشئة للأجيال بدءاً من فترة الرضاعة والحضانة إلى تطوير مناهج التعليم في المدارس والمعاهد العليا والجامعات وتُسن القوانين العامة الملزمة لاحترام الرأي الآخر.

قد يحتاج ذلك إلى وقت طويل من عمر الشعوب نظراً للتباين الكبير في أنظمة وأساليب الحكم والثقافات والمعتقدات والفلسفات السياسية التي لا يزال لها الباع الطويل في تقرير مصير الآراء الأخرى خاصة المتناقضة معها بشكل أساسي.

جامعة الإمارات