لم تلتزم حركة حماس بأصول العمل السياسي وبادلت الرئيس الفلسطيني محمود عباس سجالاً إعلامياً عبر الفضائيات أثناء وجوده في نيويورك، فكل تصريح له كان يتم التعقيب عليه فورا في غزة أو دمشق..

وكأن الهدف إحباط زيارته وإظهاره بمظهر من لا حول له ولا قوة.. وكأن حكومة الوحدة الوطنية التي يدعو لها باتت مستحيلة ما دامت لا تمثل وجهة نظر حماس بالكامل.

السجال الإعلامي بين قادة فتح وحماس تخلله سجال بالاتهامات المتبادلة بين قادة أمنيين من الطرفين بعد عدة حوادث اغتيال ذهب ضحيتها عدد من كبار الضباط في غزة إضافة إلى تسيير تظاهرات وتظاهرات مضادة بين الحركتين.

وقد خرج مسلحو جنين في عرض للقوة ولسان حالهم يقول انه إذا كانت حماس قوية في غزة فان فتح قوية في الضفة وفي هذا تهديد مبطن لحماس لكي لا توغل في سياسة الهيمنة والتهديد في غزة.

الوضع الفلسطيني إذاً يدور في حلقة مفرغة حول ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية وليس ثمة أمل في انجاز هذه الحكومة طالما أن حركة حماس متمسكة ببرنامجها السياسي المناقض لبرنامج الرئيس السياسي والمتعارض مع شروط اللجنة الرباعية.

حتى الآن، يبدو أفق الحكومة الموعودة مسدودا فحركة حماس ما زالت ترفض تلبية شروط اللجنة الرباعية الدولية والتي تنص على الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات والقرارات الدولية ونبذ العنف.. الخ.

وخرج رئيس الوزراء إسماعيل هنية بإعادة طرح موضوع الهدنة مع إسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967 وهو اقتراح قديم طرحه الشيخ احمد ياسين مؤسس حماس ولم يأخذه أحد على محمل الجد ولا يمكن أن يؤخذ الآن، وعليه فان الرئيس الفلسطيني العائد من الخارج سيضطر إلى إجراء جولة جديدة من المفاوضات مع حركة حماس بشأن تشكيل حكومة الوحدة.

وكان سبق أن اتفق الرئيس أبومازن مع إسماعيل هنية على البرنامج السياسي لحكومة الوحدة قبل سفر أبو مازن إلى نيويورك لكن حركة حماس تراجعت عن مضمونه وأعلنت تصريحات أحرجت الرئيس أبو مازن ما حدا به إلى الإعلان عن تجميد الاتصالات لتشكيل حكومة الوحدة، لكنه سيواصل جهوده بعد عودته بهدف الاتفاق على البرنامج السياسي للحكومة المنتظرة .

حيث كانت حماس تعارض الموافقة على مبادرة السلام العربية لكن سرعان ما ستصدر تصريحات تنسف هذه الجهود لأنها المرة الثالثة أو الرابعة التي يتم فيها الاتفاق بين أبو مازن وهنية ثم يجري إلغاء كل شيء.

الوضع الفلسطيني عمليا لا يحتاج إلى أصابع الاحتلال لزيادة انهياره فهو في أدنى درجاته والاحتقان في غزة وصل مرحلة خطيرة تحمل في طياتها نذر الحرب الأهلية حيث السجال الإعلامي بين أنصار فتح وحماس متواصل وحيث التظاهرات والتظاهرات المضادة وعمليات التهديد والاغتيالات.. الخ.

وتبادل الاتهامات.. كلها نذر شؤم، بل لوح قادة من حماس مثل محمود الزهار بالحرب الأهلية في حالة إقدام أبو مازن على تشكيل حكومة طوارئ لتجاوز المجلس التشريعي لأن حكومة الطوارئ لا تحتاج إلى ثقة برلمانية. وإزاء هذا الوضع المعقد ليس ثمة خيارات كثيرة أمام الرئيس الفلسطيني اذ يبدو ان حركة حماس تحبذ الوضع المعقد كما هو لأنه مريح لها ويعفيها من الإتيان بأية جهود لأداء واجباتها كحكومة..

فالحياة الفلسطينية معطلة ومشلولة وحالة الفقر تنتشر مع الإحباط، ولم يعد أحد يتحدث عن مقاومة الاحتلال.. بل عن تدبير أموره الحياتية الصعبة ويستطيع أي مراقب محايد ان يقول ان حماس أعادت الوضع الفلسطيني إلى الوراء نصف قرن في نصف سنة، وهذه معضلة الحركات الدينية عندما تصل إلى الحكم ولا تستطيع ممارسته كما يجب وتتقوقع كحكومة حزبية محضة همها خدمة الحزب وليس الشعب.

ثمة إشكالية معقدة قاربت على الانفجار بين حماس وفتح بشأن الحكومة المرتقبة، وفي حالة عدم التوصل إلى حل وسط وهو أمر مستبعد فان البديل هو تشكيل حكومة طوارئ لكن هذا الخيار قصير الأمد لأن حكومة الطوارئ عمرها شهر واحد وفقا للقانون الفلسطيني ولا يبقى سوى خيار الدعوة إلى انتخابات مبكرة رئاسية وبرلمانية وهو خيار ترفضه حماس بقوة وتهدد بالحرب ضده، خاصة في غزة حيث تبدو حماس أكثر قوة ونفوذا من فتح وعليه فان الوضع الفلسطيني يبقى يدور في حلقة مفرغة..

وللخروج منها ثمة حاجة إلى قرارات حاسمة لمواجهة تداعيات الدعوة لانتخابات مبكرة لأن حماس حسمت أمرها وقررت خوض حرب ضد خطوة كهذه، فهي حتى الآن لم تقل كيف ستحكم لأنها لا تحكم وفشلت في الحكم وهي لا تريد التفاوض ولو شكليا.. وتحافظ على التهدئة ولا تقاوم، فما الذي تريده حقا؟.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين